فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 238

لو خانوا بفعل محرم أو مكروه لانقلب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم عليهم الصلاة والسلام، لأن الله تعالى قد أمرنا بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم، ولا يأمر تعالى بمحرم ولا مكروه، وهذا بعينه هو برهان وجوب الثالث.

(ش) لا شك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد أُمرنا بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم إلا ما ثبت اختصاصهم به عن أممهم، قال الله تعالى في حق نبينا ومولانا محمد - صلى الله عليه وسلم -

[حاشية الدسوقي]

قال: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] ، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] ، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ، وكذا بطلان التالي الذي هو انقلاب المحرم والمكروه طاعة مأمورًا بها في حقهم سمعي، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] كذا قيل، قال الملوي: والحق أنه لا تسامح لأن البرهان ما ألف من مقدمتين يقينيتين، أعم من كونهما عقليتين أو نقليتين،وإنما يكون تسامحًا لو كان يشترط في البرهان كون مقدمتيه عقليتين، ولا يشترط ذلك بل الشرط كونهما يقينيتين، والنقلي المقطوع به يقيني. (قوله: لو خانوا بفعل محرم أو مكروه) المراد بالفعل ما يعم فعل اللسان وهو القول، وفعل القلب. (قوله: طاعة في حقهم) قيد بقوله في حقهم إشارة إلى أن بعض أفعالهم وإن كان يطلق عليه اسم الإباحة بالنظر للفعل في نفسه وصدوره من عامة المؤمنين، لكنه في حقهم لكمال معرفتهم بالله لا يقع منهم إلا طاعة يثابون عليها، وأقل ذلك تعليم البرية، وناهيك برتبة التعليم وعظم فضلها.

(قوله: لأن الله تعالى قد أمرنا بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم) المراد بالأفعال ما قابل الأقوال، بدليل العطف، فيشمل تقريرهم وسكوتهم، إذ لا يقرون على باطل، ثم إن المراد بأقوالهم وأفعالهم التي أمرنا الله بالاقتداء بهم فيها ما كانت غير جبلية، وأما الجبلية كالقيام والقعود والمشي، وكذلك ما كان خاصا بهم فلا يلزمنا اتباعهم فيها، وإنما يلزمنا اتباعهم فيما يبلغونه عن الله.

إذا علمت ذلك فلقائل أن يمنع الملازمة التي ذكرها المصنف، وذلك لأنهم لو خانوا بفعل محرم أو مكروه إن كان ذلك فيما يبلغونه عن الله لزم انقلاب المحرم أو المكروه طاعة للزوم اتباعنا لهم فيه، وإن كان ذلك في أمر خاص بهم لم يلزم انقلابٌ، لأنه لا يلزمنا اتباعهم فيه، وأيضا إنما يلزم انقلاب ما فعلوه من المعاصي طاعة بعد ثبوت العصمة التي الكلام فيها، فإثبات العصمة بهذا الدليل مؤد للدور، لأن ثبوت العصمة يتوقف على هذا الدليل، والشرطية لا تتم إلا إذا ثبتت العصمة، وحينئذ فالدليل الناهض على وجوب الأمانة لهم الإجماع.

(قوله: وهذا) أي البرهان بعينه هو برهان وجوب الثالث، أي الأمر الثالث وهو التبليغ، واعترض بأن التالي في برهان الأمانة لانقلب المحرم أو المكروه طاعة، والتالي في برهان التبليغ لكنا مأمورين بالاقتداء بهم كما سيأتي في الشارح، وحاصله كما يأتي لو كتموا شيئا مما أمروا بتبليغه لكنا مأمورين بالاقتداء بهم في كتمان بعض العلم النافع، لكن التالي باطل فبطل المقدم، وهو كتمانهم، وثبت نقيضه وهو تبليغهم لكل ما أمروا بتبليغه، وهو المطوب، ولا شك أن هذا البرهان غير برهان الأمانة، فكيف يصح دعوى العينية، وأجيب بأن المراد بالعينية إمكان رد أحدهما للآخر بان يقال في الثالث لو لم يبلغوا لانقلب المحرم وهو عدم التبليغ طاعة، أو تقول في الثاني لو خانوا بفعل محرم أو مكروه لكنا مأمورين بالاقتداء بهم، فينقلب المحرم والمكروه طاعة اهـ يس. (قوله: لا شك أن الرسل قد أمرنا بالاقتداء بهم) إن قلت كوننا مأمورين بالاقتداء بسيدنا محمدٍ فهذا ظاهر، وأما اقتداؤنا بغيره فلا يتم، إذ لا يلزمنا الاقتداء بغيره. قلت ما أفاده كلام الشارح من أننا مأمورون بتبعيتهم مبني على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فيما لم يرد فيه عن نبينا شيء، فإن قلت نرجع ضمير أمرنا لجميع الخلق من هذه الأمة وغيرها، ونرتكب التوزيع فالمكلفون من أمة محمد مأمورون بالاقتداء به في أقواله وأفعاله، وأمة عيسى مأمورون بالاقتداء بعيسى، وهكذا.

قلت هذا يتوقف على أن الأمم السابقة مثلنا أمروا بالاقتداء بأنبيائهم في أقوالهم وأفعالهم، كذا قيل.

وقد يقال نلتزم أن كل أمة مثلنا، وإلا فلا فائدة في إرسال رسول دون عموم اتباعه في كل ما جاء به، والحاصل أنه إن جعل ضمير ُمرنا لمعشر هذه الأمة فيجاب بالجواب الأول، وإن جعل جميع المخلوقات وارتكب التوزيع فالأمر ظاهر ولا اعتراض أصلًا.

(قوله: إلا ما ثبت اختصاصهم به) أي إلا ما ثبت كونه مقصورًا عليهم لا يتجاوزهم إلى أممهم، فالباء داخلة على المقصور كما هو الشائع في الاستعمال، وأشار المصنف بهذا إلى أن الأصل في أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم عدم اختصاصه بها، فيجوز اتباعه فيها حتى يثبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت