وبالجملة لو ماثل تعالى شيئا من الحوادث لوجب له القدم لإلوهيته والحدوث لفرض مماثلته للحوادث، وذلك جمع بين متنافيين ضرورة.
(ص) وأما برهان وجوب قيامه تعالى بنفسه فلأنه لو احتاج تعالى إلى محل لكان صفة، والصفة لا تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية، ومولانا جل وعز يجب اتصافه بهما فليس بصفة،
[حاشية الدسوقي]
يكون إلا كذلك، ومراده بالبرهان برهان حدوث العالم الجرمي والعرضي، والإجماع على حدوث الزائد عليهما إن قُدِّرَ زائدٌ كما مر، ويحتمل أن يريد ما عدا الإجماع، لأن الإجماع دليل لا برهان؛ وإن كان قطعيًا في السمعيات فيما لا تتوقف عليه دلالة المعجزة.
(قوله: وبالجملة) أي وأقول قولا ملتبسا بالجملة لا بالتفصيل، واعلم إنه أولًا أبطل مماثلته للحوادث بإبطال حدوثه، ولم يتعرض فيما مر للتناقض بين القدم والحدوث، وتعرض لذلك في قوله وبالجملة؛ فقوله وبالجملة استدلال ثانٍ، وليس إجمالا لما فصله أولًا، إذا علمت ذلك فالتعبير بقوله وبالجملة الخ فيه شيء؛ لأنه يقتضي أنه تعرض للتناقض تفصيلًا ثم أجمله إجمالًا، وليس كذلك.
(قوله: لألوهيته) أي المتفق عليها.
(قوله: وأم برهان وجوب قيامه تعالى بنفسه) قد سبق أن القيام بالنفس مركب من أمرين: الاستغناء عن المحل، والاستغناء عن المخصص، فذكر المصنف برهانًا لكل واحد؛ فأشار لبرهان استغنائه عن المحل بقوله فلأنه لو احتاج الخ؛ وهذا البرهان إشارة إلى قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة مذكورة؛ واستثنائية مطوية أقام دليلها وهو قوله والصفة الخ مقامها، ونظم القياس هكذا: لو احتاج إلى محل أي ذات لكان صفة، لكن كونه صفة باطل فبطل المقدم، وهو احتياجه لمحل؛ فثبت نقيضه وهو استغناؤه عن المحل، وهو المطلوب، ووجه الملازمة بين المقدم والتالي أنه لا يحتاج إلى ذات يقوم بها إلا الصفات، ودليل الاستثنائية المطوية في المصنف القائلة لكن كونه صفة باطل أشار له بقوله والصفة الخ، وحاصله قياس اقتراني من الشكل الثاني ونظمه: الصفة لا تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية لئلا يلزم التسلسل كما في الشارح، ومولانا جل وعز متصف بصفات المعني والمعنوية للبراهين الدالة على ذلك، ينتج الصفة ليست مولانا، وتنعكس النتيجة لقولنا: مولانا ليس بصفة فقد أنتج هذا القياس أنه ليس بصفة فصحت الاستثنائية القائلة لكن كونه صفة باطل فقول المصنف ليس بصفة هو عكس نتيجة القياس الثاني الذي ذُكِرَ دليلًا للاستثنائية المحذوفة من الأول.
فإن قلت: إن كبرى الشكل الثاني يجب أن تكون كلية، وما هنا ليس كذلك. قلت: قد تقرر عندهم أن القضية الشخصية تقوم مقام الكلية، وقوله ومولانا يجب اتصافه بهما شخصية فهي في قوة الكلية من حيث إن المحمول ثابت فيها لكل الموضوع كالكلية، وما ذكرناه من أن الدليل الثاني المستدل به على الاستثنائية المطوية قياس اقتراني هو ظاهر المصنف، وإن شئت جعلته استثنائيا وهو ما سلكه الشارح، ونظم الكلام هكذا: لو احتاج لمحل لكان صفة؛ لكن كونه صفة باطل؛ إذ لو كان صفة لم يتصف بصفات المعاني ولا المعنوية، لكن عدم اتصافه بهما باطل فبطل ما استلزمه وهو كونه صفة، فبطل ما استلزمه وهو احتياجه لمحل، فثبت نقيضه وهو استغناؤه عن المحل وهو المطلوب.
(قوله: فلأنه لو احتاج إلى محل) إنما عبر بالاحتياج ولم يقل كغيره فلأنه لو قام بمحل نظرا إلى أن القيام بالنفس معناه الاستغناء، والذي يقابل الاستغنا في العرف الاحتياج والافتقار لا القيام بالمحل، والقيام بالمحل وإن كان يشعر بالحاجة أيضا لكن الصريح في المقصود كالمقابلة هنا ليس كالمشعر به، نعم عبارة الغير أظهر في المقصود الذي هو التنزيه عن كونه صفة لصدق عبارة المصنف باحتياج الجرم لمحل أي مكان، واحتياج الصفة لذات وإن كان اللازم وهو قوله لكان صفة يعين أن المراد بالمحل الذات لا المكان.
واعلم أن قيام الوصف بالموصوف قيل إنه عبارة عن تبعيته له في التحيز، فالتحيز ثابت بالذات للجرم وهو للوصف بالتبعية، وأنت خبير بأن هذا لا يصدق إلا على أوصاف الجرم، وأما أوصاف الباري فمقتضاه أنه لا يقال إنها قائمة به تعالى؛ ولا يقال إنها قائمة بمحل، واعترض هذا العلامة السعد بأنا لا نسلم أن هذا أي التبعية في التحيز معنى قيام الصفة بالموصوف، بل نقول معنى قيام الشيء بالشيء اختصاصه به بحيث يصير نعتا له، وهو منعوت به، وهو بهذا المعنى لا يختص بالمتحيز، فيشمل صفات الباري.
فإن قلت: كما أن المولى منزه عن ذات يقوم بها منزه أيضا عن مكان يحل فيه فهلا أقام برهانا على استغنائه عن المكان كما أقام برهانا على استغنائه عن الذات التي يقوم بها.