ولو احتاج إلى مخصص لكان حادثًا، كيف وقد قام البرهان على وجوب قدمه تعالى وبقائه.
(ش) تقدم أن قيامه تعالى بنفسه عبارة عن استغنائه جل وعلا عن المحل والمخصص، أما برهان وجوب استغنائه تعالى عن المحل أي عن ذات يقوم بها فهو أنه لو احتاج تعالى إلى ذات أخرى يقوم بها لزم أن يكون صفة بتلك الذات، إذ لا يقوم بالذات إلا صفاتها، ومولانا جل وعز يستحيل أن يكون صفة حتى يحتاج إلى محل يقوم به، إذ لو كان صفة لزم أن لا تتصف بصفات المعاني وهي القدرة والإرادة والعلم الخ، ولا بالصفات المعنوية وهي كونه تعالى قادرا ومريدًا وعالما الخ؛ لأن الصفة لا تتصف بصفة ثبوتية غير نفسية ولا سلبية؛ لأن النفسية والسلبية تتصف بهما الذات والمعاني، إذ لو قبلت الصفة صفة أخرى لزم أن لا تعرى عنها أو عن مثلها أو عن ضدها، ويلزم مثل ذلك في الصفة الأخرى التي قامت بها وهلم جرا.
[حاشية الدسوقي]
قلت: استغنى عن إقامة البرهان على استغنائه عن المكان لدخوله في المخالفة للحوادث. فإن قلت: قد سبق في المخالفة للحوادث أنه ليس بعرض فلأيِّ شيء ذكر هنا أنه ليس محتاجا إلى محل بأن يكون صفة. قلت: الأعراض حادثة والمخالفة للحوادث تدل على تنزهه عنها، والقيام بالنفس يدل على أنه لا يكون صفة قديمة.
(قوله: ولو احتاج إلى مخصص الخ) هذا دليل للجزء الثاني من جزأي معنى القيام بالنفس وهو الاستغناء عن المخصص أي عن الفاعل الذي يخصصه بالوجود بدلًا عن العدم. وحاصل ذلك البرهان قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة ذكرها؛ واستثنائية مطوية أقام دليلها مقامها، ونظم ذلك القياس هكذا: لو احتاج إلى مخصص لكان حادثًا ضرورةَ أنه لا يحتاج إلى المخصص إلا الحادث، إذ يحتاج له في ترجيح أحد طرفي ما يقابله من الممكنات المتقابلة على الأخر، لكن كونه حادثا باطل أنه قد قام البرهان على وجوب قدمه وبقائه، وإذا بطل كونه حادثا وهو التالي بطل المقدم وهو احتياجه للمخصص، وإذا بطل ثبت نقيضه وهو استغناءه عن المخصص وهو المطلوب.
(وقوله: كيف) استفهام إنكاري بمعنى النفي، وفي الكلام حذف أي كيف يكون حادثا أي لا يصح أن يكون حادثًا، وهذا إشارة إلى الاستثنائية. وقوله وقد قام البرهان الخ بيان لتلك الاستثنائية المحذوفة التي أشار إليها بقوله كيف، والواو في قوله وقد عرفت للتعليل. (قوله: إذ لا يقوم بالذات إلا صفاتها) بيان للملازمة بين المقدم والتالي في قوله لو احتاج إلى محل لكان صفة. (قوله: ومولانا جل وعز يستحيل أن يكون صفة) في قوة الاستثنائية. (قوله: حتى يحتاج) أي بحيث يحتاج الخ، فحتى للتفريع بمعنى الفاء، وهو تفريع على المنفي. (قوله: إذ لو كان صفة الخ) أشار به إلى أن دليل الاستثنائية قياس استثنائي، وقد تقدم تقريره. والحاصل أن الشارح جعل دليل الاستثنائية دليلًا استثنائيا، والمصنف قد جعله اقترانيا إشارة إلى صحة الاستدلال على تلك الاستثنائية بكلٍ منهما.
(قوله: لأن الصفة الخ) علة لقوله لو كان صفة لزم الخ. (وقوله: لا تتصف بصفة ثبوتية غير نفسية) أي وأما السلبية والنفسية فلا يمتنع اتصاف الصفة بهما كوصف القدرة بالقدم والبقاء، والتعلق الصلوحي بالممكنات. (قوله: لأن النفسية الخ) علة لتقييد الثبوتية بغير النفسية أي وإنما قيدنا بذلك لأن النفسية الخ. (قوله: لأن النفسية أو السلبية تتصف بهما الذات والمعاني) أما اتصاف الذات بهما فكاتصافها بالقدم والبقاء وكالتحيز، وأما اتصاف المعاني بهما فكاتصافها بالقدم والبقاء وبالتعلق، وكاتصاف السواد بالسوادية والبياض بالبياضية واللونية.
إن قلت: إنْ بنينا على قول من ينفي الأحوال فلا حال أصلًا لا معنوية ولا نفسية فضلًا عن الاتصاف بهما، وإن بنينا على قول من يثبتها فما الفرق بين النفسية والمعنوية حيث أحالوا اتصاف الصفة بالمعنوية، وأجازوا اتصافها بالنفسية؛ مع أن كلا منهما حال، فكان الظاهر جواز اتصاف المعاني بالمعنوية كما جاز اتصافها بالنفسية.
أجيب بأن الاتصاف بالمعنوية فرع الاتصاف بالمعاني، وإذ لم يجز اتصاف المعاني بالمعاني لم يمكن اتصافها بالمعنوية، وتوضيحه أن النفسية ليس معها ما يحصل استحالة اتصاف الصفة به بخلاف المعنوية فإنها تستلزم ما يستحيل اتصاف الصفة به لاستحالة ثبوتها بدون المعاني، ولو اتصفت الصفة بالمعنوية لا تصفت بالمعاني الْمُحَقَّقَةِ الاستحالةِ بالبرهان المذكور.
(قوله: إذ لو قبلت الخ) علة لقوله الصفة لا تتصف بصفة ثبوتية غير نفسية. (قوله: لزم أن لا تعرى عنها) حاصله أن القدرة مثلا لو قبلت صفة أخرى لكانت الصفة الثانية إما مثلها فيلزم أن تقبل القدرة قدرة أخرى مثلها أو ضدها كالعجز أو خلافها، وهكذا الصفة الأخرى التي قامت بها، وهلم جرا، فيلزم التسلسل، وما تقدم كله بيان للملازمة بين قوله لو كان صفةً لزم أن لا تتصف بصفات المعاني ولا المعنوية، وكأنه قال لما يلزم على اتصافه بهما من التسلسل. وقول الشارح لزم أن لا تعرى عنها أو عن مثلها أو عن ضدها صوابه عن مثلها أو عن ضدها أو عن خلافها، وفي نسخة عنها أو عن ضدها وهذه النسخة فيها