لا تقتضى أمرا زائدا على القيام بمحلها، والصفة المتعلقة هي التي تقتضى أمرًا زائدًا على ذلك، ألا ترى أن العلم بعد قيامه بمحله يطلب أمرًا يُعلم به، وكذا القدرة والإرادة ونحوهما، وبالجملة فجميع صفات المعاني متعلقة أي طالبة لزائد على القيام بمحلها سوى الحياة وهذا التعلق نفسي لتلك الصفات، كما أن قيامها بالذات نفسي لها أيضًا.
(ص) والسمع والبصر المتعلقان بجميع الموجودات
[حاشية الدسوقي]
الصفات وليس كذلك، بل كما أنها شرط في الإدراك وهو العلم والسمع والبصر هي شرطٌ أيضا في القدرة والإرادة والكلام لاستحالة وجودها بدونها، وأجيب بأن ذكر الإدراك في التعريف وجعله مشروطا بالحياة وهي شرط له لا يفيد أن غيره من الصفات ليس كذلك؛ لأن الإدراك لا مفهوم له لكونه اسما جامدا لقبا فلا يكون ذكره في التعريف لأجل الاحتراز عن غيره كما هو مشهور عند جمهور الأصوليين، سلمنا أن له مفهوما وأنه يُذكر للاحتراز لكن دعوى ذكره للاحتراز هنا غير مسلمة؛ لأن شرطية الحياة لبقية الصفات تفهم بطريق اللزوم، وذلك لأن الإدراك لأزم للقدرة والإرادة والكلام وهي ملزومة له، وما كان شرطًا في اللازم فهو شرط في الملزوم.
(قوله: لا تقتضي) أي لاتستلزم. (قوله: بعد قيامه بمحله يطلب الخ) هذه البعدية منظور فيها للتعقل لا للخارج؛ إذْ لا ترتيب في اخارج بين قيامها بمحلها وتعلقها لأن كلا منهما أزلى، أما قيامها بمحلها فظاهر، وأما تعلقها بالمعلوم فلما سبق أن تعلق العلم أزلى لا تنجيزي حادث على الحق. وقوله يطلب الخ قضيته أن المراد بالاقتضاء الطلب وليس كذلك، فالأولى أن يفسر بالاستلزام وإن كان يمكن أن يقال مراده بقوله يطلب أمرا أي من طلب الملزوم للازمه فرجع الأمر إلى أن المراد بالاقتضاء الاستلزام.
(قوله: فجميع صفات المعاني) أي القديمة، أما المعاني الحادثة فمنها ما يتعلق ومنها ما لا يتعلق كالبياض والسواد. (قوله: سوى الحياة) أي وكذلك القدم والبقاء عند من بجعلهما من صفات المعاني. (قوله: نفسي لتلك الصفات) أي فلا توجد تلك الصفات في الخارج بدونه، وحينئذ فهو واجب أزلى. (وقوله: كما أن قيامها بالذات نفسي) أي لأن تلك الصفات لا توجد في الخارج قائمة بنفسها بل قائمة بالذات، وكون التعلق صفة نفسية قول الأشعري، ويشكل بنفيه الأحوال، وقيل إنَّ كلًا من تعلق الصفة وقيامها بالذات أمر اعتباري، وأنه من النسب والإضافات، وقيل إنه من مواقف العقول أي لا يعلمه إلا الله، وقيل إنَّ التعلق صفة وجودية، وَرُدَّ بلزوم قيام المعنى بالمعنى، ثم إن التعلق الموصوف بكونه نفسيًا هو التعلق القديم لا الحادث لتحقق الصفة بدونه في الخارج أزلا وأبدًا، والتعلق القديم يشمل التنجيزي القديم بالنسبة للعلم والإرادة والكلام على ما يأتي، ويشمل الصلوحى بالنسبة للقدرة والإرادة؛ وليس خاصًا بالصلوحى خلافا لبعضهم كذا قرر شيخنا.
(قوله: المتعلقان بجميع الموجودات) اعلم أنَّ لهما ثلاثة تعلقات فانكشاف الذات العلية وصفاتها بهما تعلق تنجيزي قديم، وانكشاف ذوات الكائنات وصفاتها الوجودية بهما عند وجودها تعلق تنجيزي حادث، ولا يلزم على تأخر التنجيزي الحادث بالنسبة لهما وجود ضدهما قبل وجود الحوادث؛ لأنهما لا يتعلقان إلا بالموجود، فقبل وجود الحوادث لا يتأتى سمعها ولا بصرها فلا يثبت قبل وجودهما عمى ولا صمم بالنسبة إليها بخلاف العلم فإنه يتعلق بكل موجود وكل معدوم، فإثبات التنجيزي الحادث له يلزم عليه نسبة الجهل قبل وجود الحوادث، وصلاحيتهما في الأزل لانكشاف ذوات الكائنات وصفاتها بهما فيما لا يزال صلوحى قديم، فقوله المتعلقان أي تعلقا تنجيزيا وصلوحيا قديمين وتنجيزيًا حادثًا بجميع الموجودات على التوزيع الذي قلناه، وَذَكَّرَ المصنف هنا حيث قال المتعلقان وأنَّثَ سابقا عند الانتقال حيث قال ثم سبع تسمى الخ مراعاة لجهة الصفة والوصف، فأنَّثَ فيما سبق مراعاة لكونها صفات، وذكر هنا مراعاة لكونهما وصفين، وقوله بجميع الموجودات أي حتى أنفسهما فينكشف له تعالى بسمعه ذاته وصفاته حتى سمعه وبصره، ويبصر ببصره أي ينكشف له ببصره ذاته وصفاته حتى بصره وسمعه، وخرجت بقوله الموجودات الأمور العدمية كالسلوب والأمور الثبوتية كالأحوال والأمور الاعتبارية فلا يتعلقان بها. إن قلت إذا كان كلٌّ من السمع والبصر ينكشف به الموجودات فأحدهما يغني عن الآخر وأجيب بأن الانكشاف الحاصل بأحدهما مغاير للانكشاف الحاصل بالآخر، فلا غنى، وفي قوله المتعلقان بجميع الموجودات رَدٌّ على من قال وهو العلامة السعد باختصاصها ببعض الموجودات