فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 238

(ش) السمع والبصر صفتان ينكشف بهما الشيء ويتضح كالعلم إلا أن الانكشاف بهما يزيد على الانكشاف بالعلم بمعنى أنه ليس عينه، وذلك معلوم في الشاهد ضرورة، ومتعلقها أخص من متعلق العلم، فكل ما تعلق به السمع والبصر تعلق به العلم ولا ينعكس إلا جزئيًا، ونبه بقوله بجميع الموجودات على أن سمعه تعالى وبصره مخالفان لسمعنا وبصرنا في التعلق،

[حاشية الدسوقي]

فيختص السمع بالأصوات، والبصر بالأجرام والأعراض قياسا للغائب على الشاهد.

[مبحث السمع والبصر]

(قوله: السمع والبصر صفتان ينكشف بهما الشيء ويتضح) هذا الكلام متضمن لتعريفين أحدهما للسمع والآخر للبصر، فكأنه يقول السمع صفة ينكشف بها الشيء ويتضح كالعلم، والبصر صفة ينكشف بها الشيء ويتضح كالعلم، لكنه سلك مسلك الاختصار وأتى بهذا الكلام المتضمن للتعريفين، وقوله في كل من التعريفين صفة جنس في التعريف يشمل سائر الصفات، وقوله ينكشف بهما فصل أخرج به ما عدا صفة العلم، وما عدا صفة البصر إنْ كان التعريف للسمع، وما عدا صفة السمع إن كان التعريف للبصر. (وقوله: الشيء) أي الموجود، فصل أخرج به العلم إذ تعلقه يعم الموجود والمعدوم، وإخراج العلم بهذا القيد بناء على أنهما ليسا نوعين من العلم، وإلا فالقيد لبيان الواقع، وقوله كالعلم تشبيه في الاتضاح أي اتضاحا تامًا كالاتضاح في العلم، وإنما لم يكن قول الشارح صفتان ينكشف الخ تعريفًا واحدًا لهما لأن القصد بالتعريف تمييز كل واحد منهما عن الآخر، والتشريك منافٍ لذاك، لأن الحد لا يقبل إلا أفراد الحدود كما هو معلوم. فإن قلت: إن تعريف كل من السمع والبصر بما ذكر يدل على اتحادهما في الخاصة وهي انكشاف جميع الموجودات بهما، وحينئذ فكل واحد منهما داخل في تعريف الآخر؛ فيكون كل من التعريفين غير مانعٍ، وشرط التعريف أن يكون جامعًا مانعًا، قلت ما ذكرته من دخول كل في تعريف الآخر مسلم، والعذر في عدم تعريف كل واحد منهما بتعريف لا يدخل فيه الآخر تعذر معرفة ما يخص كل واحدٍ من الانكشافات، فلأجل تعذر معرفة ذلك صَدَقَ حَدُّ كُلٍ منهما على الآخر لاشتراكهما في الصفة والخاصة، والعقل حيث لم يدرك الكنه التجأ إلى السمع، والسمع إنما دل على مجرد إثباتهما؛ على أن المقصود من التعريف تمييزهما عن غيرهما من بقية صفات المعاني كالقدرة والإرادة ونحوهما، لا تمييز أحدهما عن الآخر، والأقدمون من المناطقة لا يشترطون في التعريف المساواة، فيجوز عندهم التعريف بالأعم.

(قوله: إلا أن الانكشاف بهما يزيد على الانكشاف بالعلم) دفع بهذا ما يقال إذا كانت الموجودات تنكشف بالسمع والبصر كما تنكشف بالعلم كان انكشافها بالسمع والبصر تحصيلا للحاصل، فأجاب الشارح بأن السمع والبصر وإن شاركا العلم في أصل الانكشاف لكن الانكشاف بهما زائد على الانكشاف بالعلم فلم يلزم تحصيل الحاصل، فورد عليه أن هذا يقتضى أنه يتضح بهما ما لم يتضح بالعلم كما في حق الشاهد مع أن علم الباري لا يخرج عنه معلوم، دفع الشارح ذلك بقوله بمعنى أنه ليس عينه.

والحاصل أن المراد بكون الانكشاف بهما يزيد على الانكشاف بالعلم أنه مغاير له كما أن الانكشاف بأحدهما مغاير للانكشاف بالآخر، فالانكشاف في الثلاثة متغاير.

(قوله: وذلك) أي التغاير بين الانكشاف الحاصل بالعلم والحاصل بهما معلوم في الشاهد أي فيما نشاهده من الخلق، فإن العلم الحاصل بالقلب عند تغميض العين مغاير للعلم الحاصل عند فتحها، والعلم بمكة لمن رآها مغاير للعلم بها لمن لم يرها الحاصل له بالتواتر، وهذه الجملة التي في المعنى كالعلة لنفي العينية، وفيها إشارة لرد القول بأنهما نوعان من العلم، وإلى هذا المعنى وما قبله أشار في الكبرى بقوله: ولا يستغني لكونه عليما عن كونه سميعًا وبصيرًا لما نجده من الفرق الضروري بين علمنا بالشيء حالة غيبته عنا وبين تعلق سمعنا وبصرنا به قبلُ، لا يقال قوله وذلك معلوم في الشاهد فيه قياس الغائب على الشاهد وهو لا يصح لأنا نقول إنما أتى بهذا تقريبًا للفهم لا إثباتا للحكم حتى يرد. اهـ (قوله: ضرورة) أي حال كون تعلق العلم به ذا ضرورة أي وجوبٍ، أو ضروريًا أي واجبًا لا يقبل الانتفاء. (قوله: إلا جزئيا) أي بحيث يقال بعض ما يتعلق به العلم يتعلق به السمع والبصر. (قوله: مخالفان لسمعنا وبصرنا في التعلق) أي ويلزم منه المخالفة في الحقيقة وإن اشتركا في أن كلًا صفة يحصل بها الانكشاف، ووجه لزوم المخالفة في الحقيقة للمخالفة في التعلق أن عموم التعلق في سمعه وبصره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت