إذ سمعنا إنما يتعلق عادة ببعض الموجودات وهي الأصوات في جهة مخصوصة وعلى وجه مخصوص من عدم البعد والسر جدًا، وبصرنا إنما يتعلق عادة ببعض الموجودات وهي الأجسام وألوانها وأكوانها في جهة مخصوصة وعلى صفة مخصوصة، وأما سمع مولانا جل وعز وبصره فيتعلقان بكل موجود قديمًا كان أو حادثًا؛ فيسمع جل وعز ويرى في أزله ذاته العلية
[حاشية الدسوقي]
واجب بخلاف سمعنا وبصرنا فإنه لا يجب لهما عموم التعلق، والمثلان لا يختلفان فيما يجب. (قوله: إذْ سمعنا إنما يتعلق عادة ببعض الموجودات وهي الأصوات) أي ومن غير العادة قد يتعلق سمعنا بغير الأصوات كسماع موسى لكلام الله القديم الذي ليس بحرف ولا صوت، وقوله وهي الأصوات الضمير لبعض الموجودات، وأنَّثَ الضمير لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه. (قوله: وعلى وجه مخصوص) خبر لمبتدأ محذوف أي: وذلك التعلق كائن على وجه مخصوص، أو خبر لكان المحذوفة أي ويكون ذلك التعلق عادة على وجه مخصوص. (قوله: من عدم البُعْدِ والسِّر) هذا بيان للوجه المخصوص، وقوله: جدًا يرجع لكلٍ من البعد والإسرار، فإن كان هناك بُعْد أو إسرار كان ذلك مانعًا من سماعها، ولا يتقيد سماع الصوت بكونه في جهة مخصوصة بل يسمع الصوت سواء كان من خلف أو أمام أو تحت أو فوق أو يمينًا أو شمالًا، بخلاف المرئي فإن إبصاره مشروط بكونه في جهة الأمام.
(قوله: وبصرنا إنما يتعلق عادة ببعض الموجودات) وأما البعض الآخر كالملائكة والجن فعدم إبصارنا له لعدم تعلق قدرة المولى بإبصارنا له أو لتعلقها بعدمه على الخلاف السابق، ولا يقال إن عدم الإبصار لمانع وإلا لزم التسلسل؛ وذلك لأن المانع موجود يصح أن يُرى فيكون المانع من إبصارنا له لمانع آخر وهلم جرًا؛ فيلزم التسلسل إن استمرت سلسلة الموانع، أو الدور إن كان المانع من إبصارنا المانعَ الأخيرَ المانعُ الأولُ.
إنْ قلت: إن عدم إبصارنا للبعض المانع من الرؤية وذلك المانع منع من رؤية نفسه ومن رؤية غيره، وحينئذ فلا يلزم التسلسل في الموانع، قلتُ: لو كان كذلك لكان المنع صفة نفسية له، ولا يجوز أن يُرى، وهذا يقدح في طرد العلة فقد ذكروا أن الوجود علة مصححة للرؤية، وهذا المانع موجود ولا يُرى لكون المنع صفة نفسية له، وإن فرضنا أن ذلك المانع لا يراه من قام به ويراه غيره فصار مرئيا في الجملة؛ فلم يقدح في طرد العلة فلا يصح لأن صفة النفس لا تختلف ولا تتخلف.
واعلم أن ما ذكره الشارح من اختصاص سمعنا بالأصوات، وبصرنا بالأجسام وألوانها وأكوانها أمر عادي فقط لا عقلي، والمولى سبحانه قادر على عكس ذلك فيجوز أن يخرق الله العادة ويتعلق كل واحد بما تعلق به الآخر، أو يتعلق كل منهما بكل موجود لأن المصحح للإدراك هو الوجود. (قوله: وهي الأجسام) جمع جسم وهو ما تَرَكَّبَ من جوهرين فردين فأكثر، وهو المتحيز القابل للقسمة، وقضيته أن الجوهر الفرد لا يُرى وهو كذلك أي لا يرى بحسب العادة، وما ذكره الشارح من أن المرئي هو الأجسام والألوان معًا لا الألوان فقط هو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة القائلين المرئي الألوان فقط. (قوله: وأكوانها) الأكوان عندهم أربعة الحركة والسكون والاجتماع وهو كون الجسمين بحيث لا يتخللهما ثالث، والافتراق وهو كون الجسمين بحيث يتخللهما ثالث، وقضية كلام الشارح أن هذه الأربعة الأمور موجودة، وأنها ترى، والذي عليه المحققون أن الذي يُرى من هذه الأربعة الحركة والسكون، وأما الاجتماع والافتراق فأمران اعتباريان لا وجود لهما فلا يُرَيَان، فالمرئيُ الجسمان المجتمعان أو المفترقان لا نفس اجتماعهما أو افتراقهما، فإن قلت: الحركة قد فسرت بأنها الكون الأول في الحيز الثاني، والسكون بأنه الكون الثاني في الحيز الأول، فقد فُسِّرَا بالكون كما فُسِّرَ به الاجتماع والافتراق فما وجه جعل الحركة والسكون موجودتين دون الاجتماع والافتراق؟ قلت: الكون مختلف فمنه ما وصل لدرجة الوجود وهو المفسر به الحركة والسكون، ومنه ما لم يصل لذلك وهو المفسر به الاجتماع والافتراق، والمراد بالكون الحصول كذا قرره شيخنا. (قوله: في جهة مخصوصة) أي وهي جهة الأمام. (قوله: وعلى صفة مخصوصة) أي من عدم البعد جدًا وعدم القرب جدًا، فالبعد والقرب جدًا مانعان من الإبصار للأجسام وألوانها. (قوله: فيتعلقان بكل موجودٍ قديمًا كان أو حادثًا) لكن تعلقهما بالقديم تعلقٌ تنجيزيٌ قديمٌ، وبالحادث تعلقٌ صلوحيٌ قديمٌ، وتتعلقٌ تنجيزيٌ حادث كما مر. (قوله: في أزله ذاته) تنازعهما كلٌ من يَسْمَع