مساو لعدمه، وزمان وجوده مساو لغيره من الأزمنة، ومقداره الخصوص مساو لسائر المقادير، ومكانه الذي اختص به مساو لسائر المكنة، وجهته المخصوصة مساوية لسائر الجهات، وصفته المخصوصة مساوية لسائر الصفات، فهذه أنواع كل واحد منها فيه أمران متساويان، فلو حدث أحدهما بنفسه بلا محدث لترجح على مقابله مع أنه مساوٍ له، إذ قبول كل جرم لهما على حَدٍّ سواء، فقد لزم أن لو وجد شيء من العالم بنفسه بلا موجد لزم اجتماع الاستواء والرجحان المتنافيين وذلك محال، فإذًا لولا مولانا تعالى الذي خص كل فرد من أفراد العالم بما اختص به لما وجد شيء من العالم، فسبحان من أفصح بوجوب وجوده وجوب افتقار الكائنات كلها إليه تبارك وتعالى، فقولي:"لزم أن يكون أحد الأمرين المتساويين"أعني بهما الوجود والعدم والمقدار المخصوص وغيره ونحو ذلك مما ذكرناه آنفاء، وباقي الكلام واضح وبالله التوفيق.
(ص) وأما برهان وجوب القدم له تعالى فلأنه لو لم يكن قديمًا لكان حادثا، فيفتقر إلى محدث فيلزم الدور
[حاشية الدسوقي]
بيان للمقدمة الكبرى من دليل إثبات الصانع. (قوله: مساو لعدمه) أي في نفس الأمر، وكذا يقال فيما بعد. (قوله: فهذه أنواع) أي ستة كل واحد منها فيه أمران، ولهذا سميت بالمتقابلات الست؛ لأن كل واحد منها يقابله نظيره. (قوله: فسبحان من أفصح الخ) هذا أمر زائد على ما نحن فيه من إثبات الوجود للصانع، وأما كونه واجبا فيعلم من دليل آخر كما مر. (قوله: وغيره) أي وهو المقابل له من المقادير.
(قوله: فلأنه لو لم يكن قديما لكان حادثا) اسم أن ضمير عائد على الله تعالى أي فلأن الله لو لم يكن الخ، وقد استدل المصنف على القدم فيما بعد بقياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية وهي الأولى، وتسمى الكبرى ومن استثنائية وهي المقدمة الثانية التي تدخل عليها"لكن"، وتسمى الصغرى عكس الاقتراني، وقاعدة لو عند المناطقة في القياسات الدلالة على امتناع جوابها لامتناع شرطها، وأما استعمالها للاستدلال بنفي الثاني على نفي الأول فهو استعمال لغوي مخالف لمذهب المناطقة؛ وهو أيضا لغوي، ومن المعلوم أن امتناع النفي إثبات، وامتناع الإثبات نفي، فامتناع عدم كونه تعالى قديما ثبوت كونه قديمًا، وامتناع كونه حادثا ثبوت كونه ليس بحادث، ومن المقرر أن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، واستثناء عين المقدم ينتج عين التالي؛ سواء كان التالي لازما مساويا أو أعم، وذلك لأن الأول ملزوم وهو اما مُساوٍ أو أخص، والتالي لازم وهو إما مساو أو أعم ورفع المساوي رفع لمساويه، ورفع الأعم رفع للأخص، وأما استثناء عين التالي أو نقيض المقدم فلا ينتج شيئًا إن كان التالي لازما أعم؛ لأنه لا يلزم من وجود الأعم وجود الأخص، ولا من نفي الأخص نفي الأعم، وأما إذا كان التالي لازمًا مساويا أنتج استثناءُ عينِ التالي عينَ المقدم، ونقيضُ المقدم نقيضَ التالي، فينتج استثناء عين كل منهما عين الآخر، ونقيض كل منهما نقيض الآخر، إذا علمت هذا فنظم القياس الذي أشار له المصنف هكذا: لو لم يكن المولى قديمًا لكان حادثًا؛ لكنه ليس بحادث إذ لو كان حادثًا لافتقر إلى محدث لما مر في البرهان السابق من وجوب افتقار كل حادث لمحدث؛ إذ لو حدث بنفسه لزم اجتماع الضدين الرجحان والمساواة، لكن افتقاره لمحدث باطل؛ إذ لو افتقر لمحدث للزم الدور أو التسلسل لكن لزومهما باطل؛ فما أدى إليه وهو افتقاره تعالى لمحدث باطل؛ فما أدى إليه وهو كونه حادثا باطل، فما أدى إليه وهو كونه ليس بقديم باطل، فثبت نقيضه وهو أنه قديم وهو المطلوب، فهذه أدلة ثلاثة ذكر المصنف شرطية الأول وهو قوله لو لم يكن قديمًا لكان حادثًا، ولم يذكر الاستثنائية بل طواها وأقام دليلها مقامها، والأصل:"لكنه ليس بحادث لأنه لو كان حادثا لافتقر لمحدث"وحذف استثنائية الدليل الثاني ومقدم الشرطية من الدليل الثالث واستثنائيته.
(قوله: لو لم يكن قديما لكان حادثا) بيان الملازمة أنه لا واسطة بين القدم والحدوث في حق كل موجود، لأن الموجود إن كان لوجوده أول فهو حادث وإلا فهو قديم، وإذا كان لا واسطة بينهما فمتى انتفى أحدهما بقي الآخر.
وأُوْرِدَ على المصنف أن الشرطية التي ذكرها مهملة لتصديرها بلو، والمهملة لا تنتج في الاستثنائية لأن المهملة في قوة الجزئية، وشرط انتاج الاستثنائي عند المصنف كلية الشرطية كما نَصَّ عليه في منطقه، وأجيب بان المصنف استعمل لو في مادة الكلية في جميع أدلته التي ذكرها أي في مادة يصلح فيها الإتيان بكل، وذلك لتساوي اللازم والملزوم، فالملزوم هنا وهو"لم يكن قديمًا"مساوٍ للازم وهو:"لكان حادثا"فكلما صدق لم يكن قديما في جميع أدلته صدق لكان حادثا وبالعكس، وحينئذ فهي كلية باعتبار عموم الأوضاع، ولم يذكر لفظ السور اختصارًا لفهم معناه من الارتباط الواقع بين الطرفين على أن ظاهر كلام الشيخ ابن عرفة أن كلية الشرطية لا تشترط في إنتاج الاستثنائي. (قوله: فيلزم الدور) أي انحصر العدد الذي افتقر إليه، وهو أي الدور توقف الشيء على ما يتوقف عليه، أي توقف الشيء على شيء يتوقف الشيء الثاني عليه، أي على الشيء الأول كما لو أوجد زيد عمرًا وعمرو أوجد زيدًا، فقد توقف عمرو على زيد الذي توقف على عمرو، وتوقف زيد