فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 238

(ش) لا خفاء أن العالم من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما أجرام ملازمة لأعراض تقوم بها من حركة وسكون وغيرهما، ولنقتصر على الحركة والسكون فإن معرفة لزوم الأجرام لهما ضرورية لكل عاقل، فنقول لا شك في وجوب الحدوث لكل واحد من الحركة والسكون إذ لو كان واحد منهما قديما لما قبل أن ينعدم أبدا أصلا، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، ولا خفاء أن كل واحد من السكون والحركة قابل للعدم لأنه قد شوهد عدم كل واحد منهما بوجود ضده في كثير من الأجرام؛ فلزم استواء الأجرام في ذلك، وإذا ثبت حدوثهما واستحال وجودهما في الأزل لزم حدوث الأجرام واستحال وجودها في الأزل قطعًا؛ لاستحالة انفكاكها عن الحركة والسكون، وبالجملة فحدوث أحد المتلازمين يستلزم حدوث الآخر ضرورة، وإذا استبان بهذا حدوث العالم لزم افتقاره إلى محدث لأنه لو لم يكن له محدث بل حدث بنفسه لزم اجتماع أمرين متنافيين وهما الاستواء والرجحان بلا مرجح؛ لأن وجود كل فرد من أفراد العالم

[حاشية الدسوقي]

النقيضين وهما حركة ولا حركة، وسكون ولا سكون.

وأما السابع: وهو إثبات استحالة حوادث لا أول لها فله أدلة كثيرة، وأقربها أن تقول إذا كان كل فرد من أفراد الحوادث حادثا في نفسه فعدم جميعها ثابت في الأزل، ثم لا يخلو إما أن يقارن ذلك العدم فرد من الأفراد الحادثة أوْ لا، فإن قارنه لزم اجتماع وجود الشيء مع عدمه وهو محال بضرورة العقل، وإن لم يقارن ذلك العدم شيء من تلك الأفراد الحادثة لزم أن لها أولًا لخلو الأزل على هذا الفرض عن جميعها.

(قوله: لا خفاء أن العالم الخ) لا يخفى أن ما بدأ به المصنف في المتن أخره في الشرح، وما أخره في المتن بدأ به في الشرح، لأنه في المتن بدأ بدليل وجود الصانع ثم استدل على حدوث العالم أجرامٍ وأعرضٍ، وفي الشرح بدأ بالاستدلال على حدوث العالم ثم استدل على وجود الصانع، فما في الشرح من باب الترقي وما في المتن من باب التدلي، والأول هو المناسب للاستدلال.

(قوله: ومن بينهما) أي من السحاب والهواء والحيوانات التي على وجه الأرض. (قوله: أجرام ملازمة لأعراض تقوم بها) مفاده أن العالم أجرام فقط ملازمة للأعراض، وأن الأعراض ليست من العالم، وليس كذلك. فكان الأولى أن يقول أعراض وأجرام ملازمة للأعراض تقوم الأعراض بها. (قوله: فإن معرفة لزوم الأجرام لهما) أي على البدل لا على وجه الاجتماع، لأن اجتماع الضدين محال، وإنما كانت معرفة لزوم الجرم لهما على البدل ضرورية لأن عرو الجرم عنهما مستحيل استحالة ضرورية لما يلزم عليه من ارتفاع النقيضين البديهي الاستحالة. (قوله: لا شك الخ) هذا شروع في بيان حدوث الأعراض. (قوله: لَمَا قبل أن ينعدم أبدا) لكن التالي وهو عدم قبولهما الانعدام باطلٌ، فبطلَ المقدمُ وهو قدمهما، وثبت نقيضه وهو حدوثهما؛ وهو المطلوب. (وقوله: لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه) أي بالفعل والقبول، وهذا بيان للملازمة في الشرطية. (وقوله: ولا خفاء) دليل للاستثنائية المطوية. (قوله: لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه) أوْرِدَ عليه أن الأعدام الأزلية قديمة ولم يستحل عدمها فيما لا يزال لانعدامها بالوجود؛ كذا اعترض بعضهم؛ وهو مبنى على ترادف الأزلي والقديم، أما على المشهور من أن القديم أخصُّ من الأزلي لأنه موجودٌ لا ابتداء لوجوده، والأزلي ما لا ابتداء له وجوديًا كان أو عدميًا، فليست الأعدام قديمةً حتى ترد.

يمكن أن يجاب على تسليم الترادف بأن"ما"عبارة عن موجود، فلا تدخل الأعدام انتهى. يس.

وقد يقال هذا لا يرد أصلا ولو على القول بالترادف لأن أعدامنا الأزلية باقية بحالها لم تنعدم بوجودنا، والذي انعدم بوجودنا إنما هو عدمنا فيما لا يزال، ولم يقل أحد إنه قديم فتأمل. (قوله: لأنه قد شوهد عدم كل واحدٍ منهما) أورد عليه أن العدم لا يشاهد؛ والمشاهدة إنما تتعلق بالموجود، وأجيب بأن المشاهدة منصبة على وجود الضد، فكأنه قال: لأنه قد شوهد وجود ضد كل منهما الذي ينعدم كل منهما عنده، أو ان المراد بالمشاهدة العلم أي لأنه قد علم عدم الخ. (قوله: في كثير من الأجرام) متعلق بشوهد أي وأما القليل من الأجرام فهو ملازم إما للسكون كالارض والجبال، وإما للحركة كالأفلاك. (قوله: فلزم استواء الأجرام في ذلك) الأولى فلزم استواء الأعراض في ذلك أي في وجوب الحدوث، لأن الكلام في الأعراض لا في الأجرام، وحاصله أنه إذا ثبت وجوب الحدوث لبعض الأعراض وهو الحركة والسكون وَجَبَ أن يثبت لجميعها للتماثل، إذ ما ثبت لأحد الأمثال يثبت لكلها. (قوله: وإذا ثبت حدوثهما) أي الحركة والسكون؛ وهذا شروع في بيان حدوث الأجرام. (قوله: لاستحالة انفكاكها الخ) أي ومن المعلوم أن ما يستحيل انفكاكه عن الشيء لا يكون سابقًا عليه. (قوله: أحد المتلازمين) أي وهو الأعراض. (وقوله: يستلزم حدوث الآخر) أي وهو الأجرام. (قوله: إذا استبان) أي وإذا بان وظهر بهذا الذي ذكرناه من دليل حدوث الأعراض والأجرام، وقوله حدوث العالم أي من أعراض وجواهر، وهذا شروع في بيان وجود صانع العالم. (قوله: لزم اجتماع الخ) هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت