فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 238

[حاشية الدسوقي]

وكل ملزم للأعراض الحادثة فهو حادث إنما يتم بعد إثبات أمور أربعة: إثبات أمر زائد على الأجرام، وحدوث ذلك الزائد، وملازمة الأجرام لذلك الزائد، وإثبات استحالة حوادث لا أول لها، والأمر الثاني: وهو حدوث الزائد متوقف على أمور أربعة، إبطال قيام ذلك الزائد بنفسه، وإبطال انتقاله وإبطال كمونه وظهوره، وإثبات استحالة عدم القديم، فجملة الأمور المحتاج لها سبعة، الأول إثبات زائد على الأجرام، والثاني إبطال قيماه بنفسه، والثالث إبطال انتقاله، والرابع إبطال كمونه وظهوره، والخامس إثبات استحالة عدم القديم، والسادس إثبات كون الأجرام لا تنفك عن ذلك الزائد، والسابع استحالة حوادث لا أول لها، وذلك أن للفلسفي القائل بقدم العالم أن يعترض على الصغرى بأن يقول لا نسلم وجود زائد على الأجرام المعبر عنه بالأعراض، سلمنا وجود هذا الزائد فلا نسلم حدوثه لم لا يكون قبل طروه على الجرم قائمًا بنفسه أو انتقل له من جرم أخر أو كان كامنا فيه ثم ظهر، وهو في هذه الصور الثلاث قديم، أو أن ذلك الزائد على الأجرام قديم قام بالجرم ثم انعدم، سلمنا حدوثه لكن لا نسلم أن الأجرام ملازمة لذلك الزائد لم لا يجوز انفكاكها عنه، سلمنا الصغرى لكن لا نسلم الكبرى القائلة وكل ما لازم الحادث فهو حادث، لأنه لا يلزم ذلك إلا لو كان أفراد ذلك الزائد الحادث لها مبدأ، ونحن نوافق على حدوثها لكن نقول لا أول لها، فالفلك مثلًا وإن لازمته حركات حادثة لا يلزم حدوثه إلا لو كان لجملة تلك الحركات مبدأ ليلزم من قدمه وجود المحال، وهو وجود الجرم عاريا عن الحركة والسكون المستلزم لارتفاع النقيضين، أما لو كانت الحركات لا أول لها فلا يلزم أن يكون الفلك حادثا بل هو قديم وملازم لتلك الحوادث التي لا أول لها، فالمقدمة الصغرى تمامها متوقف على إثبات ستة مطالب، والكبرى تمامها يتوقف على إثبات مطلب واحد، فتكون جملة المطالب التي يتوقف تمام البرهان المذكور عليها سبعة، وقد جمعها بعضهم في بيت فقال:

زيد ما قام م انتقل ما كمنا * ما انفك ولا عُدْمَ قَدِيْمٍ لاحَنَا

فقوله زيد يشير به لإثبات زائد على الأجرام، وقوله م قام بحذف ألف ما النافية للوزن، وقام فعل ماض، يعنى به نفي قيام العرض بنفسه، وقوله ما انتقل باسكان اللام للوزن يعنى به نفي انتقال العرض، وقوله ما كمنا يعنى به نفي كمون العرض وظهوره، فاكتفي بأحد المتقابلين وهو الكمون عن الآخر وهو الظهور، وقوله ما انفك يعنى به إثبات ملازمة الأجرام للأعراض، وقوله لا عُدْم قديم بلا النافية، وعدم بضم العين وسكون الدال اسمها، والخبر محذوف تقديره ثابت، وقوله لا حَنَا لا نافية وحنا مقتطعة من استحالة حوادث لا أول لها، رمز بالحاء إليها.

ووجه الاستدلال على هذه الأمور السبعة أن نقول:

أما الأول: وهو إثبات زائد على الأجرام تتصف الأجرام به فهو ضروري لا يحتاج لدليل، إذ ما من عاقل إلا وهو يحس أن في ذاته معاني زائدة عليها.

وأما الثاني: وهو إبطال قيام العرض بنفسه، والثالث وهو إبطال انتقاله فدليلهما أنه لو قام العرض بنفسه أو انتقل لزم قلب حقيقته، لأن الحركة مثلا حقيقتها انتقال الجوهر من حيز لآخر فلو قامت بنفسها أو انتقلت لزم قلب تلك الحقيقة وصيرورة العرض جوهرًا، إذ الانتقال والقيام بالنفس من خواص الأجرام.

وأما الرابع: وهو الكمون والظهور فوجهه أن الكمون والظهور يؤدي إلى اجتماع الضدين في المحل الواحد؛ لأن الجوهر إذا تحرك مثلا والسكون كامن فيه زمن حركته لزم اجتماع الضدين وهما الحركة والسكون ضرورة.

وأما الخمس: وهو إثبات استحالة عدم القديم فوجهه أنه لو انعدم لكان وجوده جائزا لا واجبا، والجائز لا يكون إلا محدثا فيكون هذا القديم محدثا وهو تناقض.

وأما السادس وهو إثبات كون الأجرام لاتنفك عن ذلك الزائد فهو ضروري لأنه لا يعقل كون الجرم منفكا عن كونه متحركًا أو ساكنًا مثلًا، إذ لو انفك عن الحركة والسكون لزم ارتفاع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت