فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 238

ودليل حدوث العالم ملازمته للأعراض الحادثة من حركة وسكون وغيرهما، وملازم الحادث حادث، ودليل حدوث الأعراض مشاهدة تغيرها من عدم إلى وجود، ومن وجود إلى عدم،

[حاشية الدسوقي]

الضدين وهما المساواة والرجحان المستلزم لاجتماع النقيضين لأن الرجحان يستلزم لا مساواة، والمساواة تستلزم لا رجحان، فإذا اجتمع الرجحان والمساواة اجتمع مساواة ولا مساواة، ورجحان ولا رجحان وهذا باطل بالضرورة، ونظير اجتماع المساواة لطرفي الممكن ورجحان أحدهما على الآخر من غير سبب ميزان اعتدلت كفتاه ورجحت إحداهما لا لسبب، فرجحان إحدى الكفتين على الأخرى مع فرض تساويهما لابد له من مرجح، وإلا لزم المحذور وهو اجتماع الضدين الرجحان والمساواة.

واعلم أن ما ذكره المصنف من أن اللازم على تقدير كون العالم حدث لا لسبب اجتماع المساواة والرجحان مبنى على أن الوجود والعدم بالنظر لذات الممكن سيان وهو أحد قولين، وقيل إن العدم أولى به لعدم احتياجه لسبب بخلاف الوجود فإنه يحتاج لسبب، وما لا يحتاج فيه الشيء لسبب أولى به مما يحتاج لسبب، وعلى هذا القول فاللازم على تقدير حدوث العالم بنفسه ترجيح المرجوح بلا سبب وهو أولى في الاستحالة من ترجيح أحد الأمرين المتساويين بلا سبب.

(قوله: ودليل حدوث العالم) أي أجرام العالم بدليل ذكره دليل حدوث الأعراض بعد ذلك، وقوله ملازمته للأعراض هذا معنى الدليل، ولفظه أن تقولَ: أجرام العالم ملازمة للأعراض الحادثة، وكل ما لازم الحادث فهو حادث، ينتج أجرام العالم حادثة، فالمصنف تعرض لمعنى الدليل لا للفظه، فقد أشار للصغرى بقوله ملازمته للأعراض الحادثة إذ هو في قوة قولنا أجرام العالم ملازمة للأعراض الحادثة، وأشار للكبرى بقوله وملازم الحادث حادث، وحذف النتيجة للعلم بها.

(قوله: ودليل حدوث الأعراض مشاهدة تغيرها) لما كانت صغري الدليل المستدل به على وجود الصانع وهي العالم حادث نظرية تتوقف على بيان، وكان العالم ذواتٌ وصفاتٌ بَيَّنَ حدوث الذوات بملازمتها للأعراض كما مَرَّ، وبَيَّنَ حدوث الصفات بمشاهدة تغيرها، وقوله مشاهدة تغيرها أي مفيد مشاهدة تغيرها، وهو المقدمة الصغرى القائلة: الأعراض شوهد تغيرها من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم المضمومة للكبرى القائلة، وكل ما كان كذلك فهو حادث، وقد حذف المصنف الكبرى للعلم بها، وإطلاق الدليل على مفيد مشاهدة تغير الأعراض وهو الصغرى مجاز من إطلاق اسم الكل على الجزء.

(قوله: مشاهدة تغيرها) أي تغير حكمها في الجرم، فالمتحركية تارة تشاهد بظهور الجرم متحركا وتارة تنعدم بظهور الجرم ساكنًا، وبهذا المضاف الذي قدرناه يندفع اعتراضان: الأول أنه لو تعلقت المشاهدة بتغير الأعراض من عدم إلى وجود وبالعكس لكان ذلك التغير ضروريا لم يختلف فيه، لكن التالي باطل إذ قد اختلف في تغير الأعراض وعدم تغيرها، فقيل إنها متغيرة من عدم إلى وجود وبالعكس، وقيل إنها ليست كذلك بل تكمن في الجرم ثم تظهر؛ لا أنها تعدم ثم توجد ثم تعدم وهكذا، وإذا بطل التالي بطل المقدم وهو تعلق المشاهدة بتغيرها من عدم إلى وجود وبالعكس، فلم تتم صغرى الدليل القائلة: الأعراض شوهد تغيرها الخ.

وحاصل الجواب أن الأعراض وإن اخْتُلف في تغيرها من وجود إلى عدم وعدم تغيرها كذلك بل تكمن وتظهر لكن أحكامها شُوهد تغيرها من وجود إلى عدم وبالعكس، ولا نزاع فيه، فالحركة مثلًا وهي الانتقال من حيز لآخر هذه فيها الخلاف، وأما حكمها وهو كون الجسم منتقلا من حيز لآخر فهذا مشاهد تغيره، لأنه تارة يظهر بظهور الجرم متحركا وتارة بعدم بظهوره ساكنا فالتغير المشاهد هو بالنسبة للأحكام لا بالنسبة للأعراض التي فيها النزاع.

الاعتراض الثاني: أن التغير من العدم للوجود هو الحدوث فكيف يستدل به على حدوث الأعراض مع أن فيه استدلالا على الشيء بنفسه، وحاصل الجواب أن المستدل عليه تغير الصفات، والاستدلال بتغير الأحكام لا بتغير الصفات حتى يلزم الاستدلال على الشيء بنفسه، والاستدلال بتغير الأحكام على تغير الصفات نظير الاستدلال بالمعنوية على وجود المعاني.

واعلم أن برهان حدوث الأجرام القائل العالم ملازم للأعراض الحادثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت