فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 238

لأنه لو لم يكن له محدث بل حدث بنفسه لزم أن يكون أحد الأمرين المتساويين مساويًا لصاحبه راجحا عليه، بلا سبب وهو محال،

[حاشية الدسوقي]

يخالف آخره.

وقد يجاب: بأن قوله أولًا فحدوث العالم فيه حذف الواو مع ما عطفت، أي فحدوث العالم وإمكانه، ودليل المحذوف ذكر الإمكان بعدُ، وحينئذ فالمصنف جار على طريقة شوب الإمكان بالحدوث، أو يقال قوله فحدوث العالم أي الذي ما وقع إلا بعد ترجيح أحد الطرفين، وذلك هو الإمكان، ولا معنى للثبوت إلا ذلك كذا قيل. وقد يقال كلام المصنف ليس فيه تخصيص الأمرين المتساويين بالوجود والعدم حتى يكون جاريا على طريقة الإمكان، بل هما شاملان لكل أمرين من المتقابلات الست الوجود والعدم والمكان المخصوص ومقابله والزمان المخصوص ومقابله والجهة المخصوصة ومقابلها والمقدار المخصوص مقابله والصفة المخصوصة ومقابلها، وحينئذ فالبرهان جار على طريقة الحدوث لا على طريقة من يشوب الإمكان بالحدوث. تأمل.

هذا واعلم أننا إذا أردنا إثبات الصانع للعالم نثبت أولًا حدوث الأعراض بدليلٍ، ثم نثبت حدوث الأجرام بدليلٍ، ثم بعد إثبات حدوث الأعراض والأجرام بالدليل نثبت أن للعالم صانعًا.

فالمراتب ثلاثة، ونحتاج لثلاثة أدلة، فنقول في الدليل الأول الأعراض متغيرة بالمشاهدة وكل متغير حادث، ينتج الأعراض حادثة ثم نقول في الدليل الأول الأعراض متغيرة بالمشاهدة، وكل متغير حادث ينتج الأعراض حادثة، ثم نقول في الدليل الثاني الأجرام ملازمة للأعراض الحادثة وكل ما لازم الحادث حادثٌ؛ ينتج الأجرام حادثة، ثم بعد أن نثبت حدوث الأعراض والأجرام نقول العالم من أجرام وأعراض حادثٌ؛ وهذه المقدمة تثبت بالدليلين المتقدمين، وكل حادث لابد له من صانع، وهذه الكبرى إما أن تثبتها بدليل استثنائي بأن نقول لو لم يكن للحادث محدث لزم ترجيح أحد الأمرين المتساويين بلا سبب مرجح، بيان الملازمة أن الممكن وجوده مساو لعدمه في نفس الأمر، فلو حدث بنفسه بدون محدث كان وجوده مرجحا على عدمه بدون سبب مرجح، لكن التالي وهو ترجيح أحد الأمرين المتساويين تساويا ذاتيا بلا سبب باطل لما فيه من اجتماع الضدين وهما المساواة والرجحان، فبطل المقدم، وهو: لو لم يكن للحادث محدث، وإذا بطل المقدم ثبت نقيضه وهو أن للحادث محدثا؛ وهو المطلوب، أو نثبتها بدليلٍ اقتراني مركب من شرطية وحملية بأن نقول لو وجد الحادث بدون محدث لزم اجتماع الاستواء والرجحان، واجتماع الاستواء والرجحان باطل، ينتج لو وجد الحادث بدون محدث كان باطلًا.

والحاصل أن المقدمة الصغرى من برهان إثبات الصانع لها دليلان؛ كل منهما اقتراني. والكبرى إن شئت أثبتها بدليل استثنائي وإن شئت أثبتها بدليل اقتراني، وهذا الترتيب هو ما ارتكبه الشارح في الشرح وهو طريق الترقي، وأما في المتن فقد ارتكب طريق التدلي، فأولًا أقام الدليل على وجود الصانع، وأشار لصغراه بقوله فحدوث العالم وحذف كبراه، ثم أقام الدليل على الكبرى المحذوفة بقوله لأنه لو لم يكن له محدث الخ، ثم أقام الدليل على الصغرى بقوله ودليل حدوث العالم الخ، ودليل حدوث الأعراض الخ، وقدم دليل الكبرى على دليل الصغرى لقلة الكلام عليه. (قوله: لأنه) أي الحال والشأن لو لم يكن له أي للعالم، وقوله محدث أي فاعل وصانع. (قوله: بل حدث بنفسه) أي مع فرض تساوي حدوثه وعدمه وتساوي جميع الأمور المقابلة في نفس الأمر، فصح ترتيب قوله لزم الخ لأن لزوم اجتماع الاستواء والرجحان إنما جاء من حدوثه بنفسه مع استواء الحدوث وعدمه، وبقية الأمور المتقابلة في نفس الأمر، وبل في كلامه نتقالية من أعم إلى أخص، لأن نفي محدث الحادث صادق بما إذا أحدث نفسه؛ وبما إذا كان حدوثه لنفسه بأن كان حدوثه اتفاقيًا لأجل نفسه بأن كان ذاته علة في وجوده، فأضرب للثاني لخفائه دون الأول؛ فإنه ضروري الاستحالة، فاللام في قول المصنف لنفسه لام التعليل أي بل حدث لأجل ذاته بمعنى أن حدوثه ليس لسبب بل لأجل ذاته. (قوله: أحد الأمرين) أي وهما طرفا الممكن من وجود وعدم، والمقدار المخصوص ومقابله والمكان المخصوص ومقابله والصفة المخصوصة ومقابلها والجهة المخصوصة ومقابلها. وقوله المتساويين أي تساويا ذاتيا. (قوله: وهو محال) أي كون أحد الأمرين المتساويين تساويا ذاتيا مساويا لصاحبه بالنظر لما في نفس الأمر راجحا عليه بلا سبب محال لما فيه من اجتماع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت