فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 238

فإذا كان كمال بعضها نقصا عظيما بالنسبة إلى غيره مما يقبل صفته ويشاركه في الحدوث فكيف يكون الحال فيمن يصف المولى العظيم الذي لا مثل له ولم يشارك شيئًا سواه في جنس ولا نوع بمثل أوصاف الحوادث الناقصة التي هي كمال لائق بنقصانها، وهي أنقص شيء وأرذله بالنسبة إلى جناب المولى الكريم الكبير المتعال، وقد ورد عن سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يسد أذنيه بعد رجوعه من المناجاة وسماع كلام الله سبحانه وتعالى إلى مدةٍ لئلا يسمع كلام الناس؛ فيموت من شدة قبحه ووحشته حقيقة بالنسبة إلى كلام الله تعالى القديم المثال، ولا يستطيع أن يسمع كلام الخلق حتى تطول به المدة وينسيه الله تعالى ما ذاق من لذة ذلك الاستماع لكلامه تعالى، وقد نقل ابن عطاء الله رضي الله تعالى عنه عن مكين الدين الأسمر وكان من الأبدال أنه رأي في المنام حوراء فكلمته فبقى نحو شهرين أو ثلاثة أشهر لا يستطيع أن يسمع كلاما إلا تقيأ فانظر هذا الأمر كيف صار كلام الناس بالنسبة إلى كلام الحور الذي هو من جنس كلامهم أدنى وأقبح من صوت الحمير ونباح الكلاب بالنسبة إلى كلام الناس؛ إذ لا نجد من يتقايأ بسماع صوت الحمير ونباح الكلاب ولو سمعه أثر سماع أفصح كلام وأعذبه فكيف يكون نسبة كلام الخلق إلى كلام الخالق سبحانه وتعالى الذي جل عن المثل في ذاته وصفاته وأفعاله تبارك وتعالى، وباقي الكلام واضح.

(ص) وأضداد الصفات المعنوية واضحة من هذه

(ش) يعنى أنك إذا عرفت كون ضد القدرة العامة العجز عن ممكن ما لزم أن يكون ضد الصفة المعنوية اللازمة للقدرة وهي كونه تعالى قادرًا على جميع الممكنات كونه عاجزًا عن ممكن ما، وهكذا كل صفة معنى، فإن ضدها ضد الصفة المعنوية اللازمة لها وبالله التوفيق.

[مبحث الجائز في حقه تعالى]

(ص) وأما الجائز في حقه تعالى

[حاشية الدسوقي]

(قوله: فإذا كان كمال بعضها) أي مثل نهيق الحمير، وقوله بالنسبة لغيره أي مثل كلام البلغاء. (قوله: فإذا كان الخ) أي فإذا علمت ما ذكرناه لك من استواء الحوادث بالنظر لذاتها وأن التفاضل بينها إنما جاء من قيام بعض الصفات ببعض، ولو شاء المولى جعل صفة الكمال القائمة بالفاضل قائمة بالمفضول وبالعكس فنذكر لك كلامًا يناسب ما نحن فيه فنقول: إذا كان كمالُ بعضِ الحوادثِ نقصًا بالنسبة لغيره كنهيق الحمير فإنه كمال في حقها وهو نقص بالنسبة لكلام البلغاء القابلين لصفة الحمير وهو النهيق كما أن الحمير قابلة لصفة البلغاء وهو كلامهم البليغ. (قوله: فكيف يكون الحال الخ) أي فهو في غاية النقص.

والحاصل أننا وجدنا النقص بين العبيد بعضهم مع بعض مع اشتراكهم في الحدوث وقابلية الصفة فما بالك به بين القديم والحادث اللذين لا اشتراك بينهما، فالنقص حينئذ أدني من الأول بمراتب لا حصر لها. (قوله: بمثل أوصاف الحوادث) متعلق بقوله يصف المولى. (قوله: وقد ورد الخ) أتى بهذا إشارة إلى أن بين كلام الحوادث وكلام الله بونا بعيدًا.

واعلم أنه وقع خلاف بين أهل السنة هل موسى سمع كلام الله القديم أو سمع كلامًا مركبا من حروف وأصوات خلقه الله وصار موسى يسمعه من كل ناحية: قولان والمعتمد الأول، فلذا مشى عليه الشارح فقصده إفادة أنه لا مناسبة بين كلام الحوادث المركب من الحروف والاصوات وبين كلام الله القديم. قيل إن السبب في انبساط النفس بالصوت الحسن والتذاذها بسماعه أن الأرواح سمعت كلام الله القديم الذي هو ألذ الاشياء. (قوله: لا يستطيع الخ) عطف على"يَسُدُّ". (قوله: وباقي الكلام) أي وهو الموت واضح لا يحتاج لشرح، وقد سبق ما فيه من كونه أمرًا وجوديا أو عدميًا، والتقابل بينه وبين الحياة. (قوله: وأضداد الصفات المعنوية الخ) لما تكلم على أضدادا لمعاني أفاد أن أضداد المعنوية مستفادة من أضداد المعاني، فتأخذ لازم ضد المعنى وتجعله ضدا للمعنوية اللازمة لها، لأنه يلزم من تنافي الملزومات تنافي اللوازم فكل ما نافى الملزوم كالحيوان نافى اللازم كالناطق. فإن قلت: قد تتنافى الملزومات ولا تتنافى اللوازم ألا ترى أن الإنسان والفرس متباينان، وتلزم كلا منهما الحيوانية. أجيب بأن قولهم تنافي الملزومات يوجب تنافي اللوازم مرادهم اللوازم المساوية للملزومات كالناطقية والصاهلية، وكالمعنوية فإنها لازمة للمعاني لزوما مساويًا، فحرج اللازم الأعم كالحيوانية فإن تنافي الملزومات لا يوجب التنافي فيه. (قوله: واضحة من هذه) أي من أضداد المعاني أي واضحة وضوحًا نشأ من أضداد المعاني، وذلك لأن الأحوال المعنوية لا تعقل على حيالها ولا تماثل ولا تخالف ولا تضاد إلا بالنظر للمعاني.

(قوله: فإن ضدها ضد الصفة المعنوية) أي فإن لازم ضدها ضد للصفة المعنوية فلابد من هذا التقدير حتى تصح العبارة.

[مبحث الجائز في حقه تعالى]

(قوله: في حقه تعالى) في بمعنى اللام، والحق بمعنى الذات، أي وأما الذي يجوز بالنسبة لذاته أن تفعله، فليس الجائز وصفًا يقوم بذاته، بل هو وصف راجع لتعلق قدرته خلافًا لما يوهمه قوله فيما سبق أن يعرف ما يجب في حق مولانا وما يستحيل وما يجوز، فإن هذه العبارة قد أطلقها فيما للذات من الصفات؛ وهذا يوهم أن يكون استعملها هنا في الجائزات من الصفات إذ لم يغاير بينهما، فيقتضي أن الذات العلية تتصف بصفة جائزة مع أن الباري جل وعلا إنما يتصف بالواجبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت