وجميع صفاته الوجودية، ويسمع ويرى تبارك وتعالى مع ذلك فيما لا يزال ذوات الكائنات كلها وجميع صفاتها الوجودية سواء كانت من قبيل الأصوات أو من غيرها، أجساما كانت أو أكوانا أو ألوانا أو غيرها.
(ص) والكلام الذي ليس بحرف ولا صوت ويتعلق بما يتعلق به العلم من المتعلقات.
(ش) كلام الله تعالى
[حاشية الدسوقي]
ويَرَى، والأزل هو عدم الأولية، وحينئذ فالظرفية مجازية. (قوله: وجميع صفاته الوجودية) أي لا الأحوال ولا الأمور الاعتبارية مثل كونه قبل العالم وبعده. (قوله: مع ذلك) أي مع سمعه وبصره ذاته وصفاته الوجودية في الأزل ذوات الكائنات.
والحاصل أنه تعالى في الأزل سامع وراء لذاته وصفاته، وفيما لا يزال سامع لذاته وصفاته وذوات الكائنات وصفاتها، قال بعضهم جاء يهودي إلى أشبيلية من على مسافة عشرة أيام إلى أبى عبد الله محمد بن الخليل وذكر اليهودي أنه ما جاء إلا لأجل مسألةٍ عجزَ الناسُ عنها فاتفق اجتماع أعيان الناس، فقال اليهودي أتقولون إن الباري قديم؟ فقال له الشيخ المذكور نعم، فقال سمعه قديم؟ فقال الشيخ: نعم. قال فبماذا تعلق سمعه قبل خلق الخلق وأصواتهم وكلامهم؟ فقال تعلق سمعه القديم بكلامه القديم. فبادر اليهودي وقبل يده. فقال له الشيخ وأزيدك أختها وهي أن رؤية الله تعالى قديمة أي بصره، وتعلق في الأزل بذاته وصفاته القديمة.
(قوله: فيما لا يزال) هو ما قابل الأزل ومبدؤه خفي تقف عنده العقول فلا يعلمه إلا ال. له (قوله: كانت من قبيل الأصوات) أي كانت الكائنات من قبيل الأصوات أو غيرها، وقوله أجساما أي كان غير الأصوات أجساما أو ألوانا أو أكوانا أو كان غيرها كالمقادير من الطول والعرض والعمق وكالاضواء.
(قوله: والكلام) اعلم أن الكلام يتنوع باعتبار دلالته إلى ستة أنواع، وذلك لأنه باعتبار دلالته على طلب الفعل أمرٌ، وباعتبار دلالته على طلب الترك نهيٌ، وباعتبار دلالته على معنى مطابق للواقع خبرٌ، وباعتبار دلالته على طلب العلم باعتبار حال المخلوقات استخبارٌ، وباعتبار دلالته على ثوابٍ مُستقبلٍ وعدٌ، وباعتبار دلالته على وقوع عذابٍ مستقبلٍ وعيدٌ، وتنوعه لهذه الأنواع اعتباري كما علمت لا حقيقي، وإذا علمت ذلك فاعلم أن للكلام باعتبار كونه ليس أمرا ولا نهيا بل خبرا أو استخبارا أو وعدًا أو وعيدا تعلقًا تنجيزيًا قديمًا وهو دلالته في الأزل على معنى مطابق للواقع، وعلى طلب العلم وعلى ثوابٍ مستقبلٍ وعلى توقع عذاب كما تقدم، وأما تعلقه باعتبار كونه أمرًا أو نهيًا فله تعلق تنجيزي حادثٌ عند وجود المأمور والمنهي، وهو طلب الفعل من الأول، وطلب الترك من الثاني، وصلوحي قديم وهو صلاحيته في الأزل للدلالة على طلب الفعل والترك ممن سيوجد.
(قوله: الذي ليس بحرف ولا صوت) الحرف أخص من الصوت، ولما كان لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ذكر العام بعده، وإنما كان الصوت أعم من الحرف لأن الكيفية الحاصلة عند انضغاط الهواء وانحباسه تسمى صوتًا سواء انحبس في مخرج من مخارج الحروف أو في غير ذلك، إلا أنه إن انحبس في مخرج قيل للكيفية الحاصلة عند انحباسه حرف وصوتٌ، وإن انحبس في غير مخرج قيل للكيفية صوت فقط.
(قوله: ويتعلق الخ) إنما عبر هنا بالمضارع، وفيما تقدم باسم الفاعل حيث قال في القدرة والإرادة والسمع والبصر المتعلقان وفي العلم المتعلق تفننا، وأشار المصنف بهذا إلى أن الكلام مساوٍ للعلم في المتعلق بالفتح، لأن من علم أمرًا صح أن يتكلم به، والمولى عالم في الأزل بما كان وما يكون وما لا يكون، فصح أن يتكلم بها، وهما وإن تساويا في المتعلق إلا أنهما مختلفان في التعلق لأن تعلق العلم الانكشاف وتعلق الكلام الدلالة، فيدل كلامه تعالى على الواجب وعلى المستحيل وعلى الجائز، فمن كشف له الحجاب واطلع عيه يفهم منه ذاته تعالى وصفاته كما يفهمان من قوله: {أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} [طه: 14] ، ويفهم منه أنهما واجبتان لا يقبل واحد منهما الانتفاء، ويفهم منه أن الشريك عليه محالٌ، وأن اعتقاد وجوده كفر كما يفهم ذلك من قوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73] . ويفهم منه الجائزات وأنها مخلوقة لله كما يفهم ذلك من قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] . فإن قلت ما ذكره المصنف من أن الكلام الأزلى متعلق بجميع متعلقات العلم الأزلى ممنوع؛ وذلك لأن الله قد يأمر بعض المكلفين بما علم أنه لا يقع منهم فيستلزم أن أمره تعلق بوقوع ذلك المأمور ولم يتعلق بعدمه، وعلمه قد تعلق بعدم وقوع ذلك المأمور فقد تعلق علمه تعالى بما لم يتعلق به أمره الذي هو كلامه، فالعلم إذن أعم من الكلام متعلقا وذلك لأن