فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 238

القائم بذاته هو صفة أزلية ليس بحرف ولا صوت ولا يقبل العدم؛ وما في معناه من السكوت، ولا التبعيض ولا التقديم ولا التأخير، ثم هو مع وحدته متعلق أي دال أزلًا وأبدًا على جميع معلوماته التي لا نهاية لها، وهو الذي عبر عنه بالنظم المعجز

[حاشية الدسوقي]

الشيء الذي أمر الله به وعلم بوقوعه تعلق كل من الأمر والعلم بوقوعه، وما نهى عنه وعلم عدم وقوعه تعلق كل من العلم والنهي بعدم وقوعه، وأما ما أمر به وعلم عدم وقوعه كإيمان أبى لهب فقد تعلق العلم بعدم وقوعه دون الأمر، فيكون عدم الوقوع في هذه الحالة متعلقا للعلم دون الأمر، وحينئذ فبعض متعلق العلم ليس متعلقا للكلام.

فالجواب أن الكلام الأزلى له تعلقات كثيرة لما علمت من تنوعه فليس تعلقه منحصرًا في تعلق الأمر، فكلامه تعالى وإن كان لم يتعلق بعدم وقوع ذلك المأمور به باعتبار كونه أمرًا لكنه قد تعلق به باعتبار كونه خبرًا، وحينئذ فلا يمكن أن ينفرد العلم الأزلى بمتعلق لا يكون متعلقًا للكلام الأزلى بوجه من وجوه تعلقاته، ومنشأ الغلط حصر تعلق الكلام في تعلق الأمر، والحال أن تعلق الكلام أعم من تعلق الأمر.

(قوله: القائم بذاته) احترازًا من كلام الله بمعنى الألفاظ التي نقرؤها فإنه ليس صفة أزلية الخ؛ بل حادثة وكل منهما يقال له كلام الله تعالى وقرآن بالاشتراك كما يأتي.

(قوله: صفة أزلية ليس بحرف ولا صوت) هذا تعريف بالأعم لدخول جميع الصفات فيه، إذ يصدق على كل منها أنها صفة أزلية ليست بحرف ولا صوت، فكان الأولى أن يزيد في التعريف دالة على جميع الأمور لأجل إخراج بقية الصفات. (قوله: ولا يقبل العدم) أي المطلق وهو ترك الكلام سواء كان مع عدم القدرة عليه بحيث يصير المولى أبكم أو معها. (قوله: وما في معناه) أي وما هو ملتبس بمعناه أي بمعنى العدم، (وقوله: من السكوت) بيان لما في معنى العدم، وإنما جعل السكوت في معنى العدم لأن السكوت عدم مقيد؛ لأنه ترك التكلم مع القدرة عليه، وإذا علمت أن كلامه القديم لا يقبل العدم ولا السكوت تعلم أنه ليس معنى {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] أنه ابتدأ الكلام بعد أن كان ساكتًا، ولا أنه بعدما كلمه سكت، وإنما المعنى أنه أزال الحجاب عن موسى وخلق له سمعًا وقوَّاهُ حتى أدرك كلامه القديم، ثم منعه بعد ذلك ورده لما كان عليه قبل سماع كلامه.

(قوله: ولا التبعيض) أي ولا يقبل التبعيض بمعنى التبعض أي لا يقبل أن يكون مبعضًا له أبعاض وأجزاء، بخلاف كلامنا فإنه ذو أجزاء، فقولنا: زيد قائم كلام له جزآن الجزء الأول زيد والثاني قائم، كذا قرر شيخنا وهو أظهر من قول بعض الحواشي معنى كونه لا يقبل التبعيض أنه لا يقبل أن يكون بعضًا من شيء أو يكون شيء بعضا منه.

(قوله: ولا التقديم ولا التأخير) أراد به لازمه وهو التقدم والتأخر؛ لأنه هو الذي من صفات الكلام أي إن كلامه تعالى لا يقبل التقدم ولا التأخر أي بخلاف كلامنا فإنه يقبل ذلك، فإذا قلت زيد قائم وعمر وجالس فالجملة الأولى متقدمة على الثانية، والثانية متأخرة عن الأولى، ثم إن نفي قبوله للتقدم والتأخر لازم لنفي تبعضه أي نفي كونه ذا أبعاض وأجزاء، فعطفه على ما قبله من عطف اللازم على الملزوم. (قوله: أي دال) أشار بذلك إلى أن تعلقه تعلق دلالة. (قوله: التي لا نهاية لها) أي في نفس الأمر، والمولى يعلمها تفصيلا ومع ذلك يعلم أنها لا تتناهى. (قوله: وهو الذي عبر عنه الخ) فيه أن هذا يقتضى أن الصفة القديمة مدلولة للنظم الطببعى المعجز مع أن مدلوله منه ما هو قديم، ومنه ما هو حادث، فكيف يكون مدلوله الصفة القديمة؟ وأجيب بأن النظم الطبيعي لما كان دالًا على ما تدل عليه الصفة القديمة صار النظم المذكور دالا على الصفة دلالة عرفيةً؛ إذ قد تُعُوْرِفَ أن الدال على شيء دال على ما دلَّ عليه ذلك الشيء، فإن أريد الدلالة العقلية قُدِّرَ مُضاف في الكلام، فقوله وهو الذي عبر عنه أي عن مدلوله.

(قوله: بالنظم) أي بالكلام المنظوم أي المرتب. (قوله: المعجز) أي الذي أعجز البلغاء والفصحاء عن الإتيان بمثل أقصر صورة منه، وسبب ذلك أن معجزة كل نبي كانت من جنس ما هو مشتهر في زمنه، فموسى لما كانت السحرة موجودين في زمنه بكثرة كانت معجزته انقلاب العصا ثعبانًا يأكل غيره المعجز ذلك للسحرة، وعيسى لما كان في زمن كثر فيه الأطباء كانت معجزته إبراء الأمكه والأبرص وإحياء لموتى المعجز ذلك لهم، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لما كثر في زمنه الفصحاء والبلغاء كانت معجزته القرآن المعجز لهم عن معارضته بالإتيان ولو بمثل أقصر سورة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت