فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 238

في عما هم يترددون"، وهو سهم في هذا الفصل ظاهر لكل عاقل فلا نطيل به وبالله التوفيق."

[مبحث ما يجب في حقِّ الرسل]

(ص) وأما الرسل عليهم الصلاة والسلام فيجب في حقهم الصدق والأمانة وتبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق

[حاشية الدسوقي]

لأهل السنة بعضهم مع بعض، وليس دليلا بالنسبة لأهل السنة مع المعتزلة حتى يقال ما ذكر، أو يقال الغرض من مخاطبة المعتزلة بذلك المبالغة في توبيخهم، وإن عدم هدايتهم أمر ظاهر كما يدل عليه بقية الكلام. (قوله: في عماهم يترددون) أي يترددون ويتحيرون بسبب عماهم أي جهلهم.

[مبحث ما يجب في حقِّ الرسل]

(قوله: وأما الرسل الخ) لما فرغ من الكلام على الإلهيات أخذ يتكلم على الرساليات لأنهما متعلقا التصديق القلبي الذي هو الإيمان، وقدم الإلهيات لأنها أصل الرساليات، والعطف في قوله وأما الرسل على مقدر حذف للعلم به تقديره أما مولانا جل وعز فيجب في حقه ويستحيل ويجوز ما ذكرته، وأما الرسل الخ، وقال الرسل بصيغة الجمع دون ذكر عدد لأنه لو ذكر عددا لربما أفضى لإثبات الرسالة لمن ليست له، أو نفيها عمن هي له، وما ورد من أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، وعدد الرسل ثلاث مائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر فهو حديث متكلم فيه، والحق أن كلا من الأنبياء والرسل لا يعلم عِدَتَهُ إلا الله لقوله تعالى: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] . لا يقال إنه لا فائدة في ذكر غيره عليه الصلاة والسلام من الرسل، لأن الإيمان به وبما جاء به يتضمن الإيمان بهم، لأنا نقول فائدة ذكر غيره معه زيادة البيان الذي يحصل بالتفصيل الذي هو مطلوب في عقائد الإيمان.

واعلم أن ما وجب للرسل يجب للأنبياء إلا التبليغ، فإنه خاص بالرسل، وحينئذ فالصدق والأمانة واجبان لكل من الأنبياء والرسل، وأما تبليغ الأحكام المتعبد بها فإنه خاص بالرسل، إذ النبي لا يبلغ شيئا من الشرائع، نعم يجب عليه أن يخبر بأنه نبي لأجل أن يحترم ويعظم. (قوله: فيجب في حقهم الصدق والأمانة وتبليغ ما أمروا بتبليغه) مراده بالوجوب ما هو أعم من الوجوب الشرعي والعقلي، لأن وجوب الأمانة والتبليغ شرعي لثبوت ذلك الوجوب بالدليل الشرعي على المعتمد، واما وجوب الصدق فهو عقلي بناء على أن دلالة المعجزة على صدق الرسل عقلية، وقيل إنها وضعيةٌ، وقيل عادية وهو الراجح، ولا يضر إمكان تخلف العادي ألا ترى أنك تكذب بمقتضى العادة من يقول الجبل الفلاني ذهبٌ، مع إمكان تخلف العادة عقلًا وكونه ذهبًا، إذ لو فرض أن الله خلقه من أول الأمر ذهبا لم يلزم عليه محالٌ.

والحاصل أن القطع بجامع الأمر العادي، فالمعجزة تدل على صدق الرسل قطعًا، وإن جاز تخلف دلالتها على الصدق، أي أن المولى إذا لم يجعل المعجزة دالة على الصدق لم يلزم عليه محالٌ.

(قوله: والصدق) أي: مطابقة خبرهم للواقع، والمراد الصدق في دعوى الرسالة وفي الأحكام التي ببلغونها عن الله، وأما الصدق في الكلام العرفي نحو أكلت أو شربت أو قدم زيد أو مات عمرو فهو من جزئيات الأمانة.

(قوله: والأمانة) المراد بها حفظ ظواهرهم وبواطنهم من الوقوع في المكروهات والمحرمات سواء كانت المحرمات صغائر أو كبائر، كانت تلك الصغائر صغائر خسة كسرقة لقمة وتطفيف كيل أو صغائر غير خسة كنظر لامرأة أو لأمرد بشهوة كانت قبل النبوة أو بعدها عمدًا أو سهوًا، اللهم إلا أن يترتب على وقوع المعصية تشريع فتقع سهوًا كما في خروجه عليه الصلاة والسلام من الصلاة قبل تمامها، فإنه معصية وقد وقع من النبي سهوًا لأجل أن يترتب على ذلك بيان أحكام السهو.

فإن قلت: إنه لا تكليف قبل البعثة فلا معصية قبلها فكيف يقال إنهم معصومون من المعاصي قبل النبوة، والحال أنه لا معصية قبلها. قلت المراد أن الصورة التي يحكم عليها بأنها معصية بعد البعثة لا تقع منهم قبل البعثة.

والحاصل أن صورة المعصية لا تقع منهم قبل النبوة وإن كان لا يعلم أنها معصية إلا بعد النبوة. (قوله: وتبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق) أي أنهم لا يتيسر لهم كتمان شيء مما أمروا بتبليغه، وأما ما أمروا بكتمانه فلا يبلغونه كما في المغيبات التي أطلع الله عليها الرسول، ثم إن الأمانة بالتفسير السابق أعني ترك المعاصي مطلقًا عمدًا أو سهوًا قبل النبوة وبعدها مستلزمة للصدق، لكن خطر الجهل في هذا الفن صعب فلا يُكتفى بذكر الملزوم، بل وكذلك التبليغ داخل في الأمانة أيضًا، نعم لو قصرت الأمانة على حالة العمد بأن قيل إنها ترك المعاصي عمدًا فلا تكون مغنية عن الصدق والتبليغ، لأن المراد أنهما لا ينتفيان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت