ويستحيل في حقهم عليهم الصلاة والسلام أضداد هذه الصفات، وهي الكذب والخيانة بفعل شيء مما نهى عنه نهي تحريم أو كراهة، وكتمان شيء مما أمروا بتبليغة للخلق، وبجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام ما هو من الأعراض البشرية التي لا تؤدي لنقص في مراتبهم العلية كالمرض ونحوه.
(ش) اعلم أن الرسول هو إنسان
[حاشية الدسوقي]
ولو سهوًا.
(قوله: ويستحيل في حقهم الخ) مراده ما يعم الاستحالة العقلية والشرعية، لأن ما وجب عقلًا مقابله محال عقلًا، وما وجب شرعًا أي بالدليل الشرعي فمقابله محال شرعًا.
(قوله: أضداد هذه الصفات الخ) أي منافياتها، وذلك لأن الكذب عدم مطابقة الخبر للواقع، والخيانة عدم حفظ الجوارح الظاهرة والباطنة من الوقوع في المحرم أو المكروه، والكتمان عدم الوفاء بما أمروا بتبليغه للخلق، وحينئذ فالتقابل بين الصدق والكذب تقابل الشيء والمساوي لنقيضه، وأما التقابل بين الأمانة والخيانة فعلى ما فسرها به المصنف هنا تقابل الضدين، لأنه فسر الخيانة بفعل شيء الخ، والفعل وجودي، وعلى ما فسرها به في شرح المقدمات وهو ما قلناه فالتقابل بينهما تقابل الشيء والمساوي لنقيضه، وكذا يقال في التقابل بين التبليغ والكتمان. واعلم أن بين هذه الثلاثة المستحيلة عمومًا وخصوصًا وجهيًا، تجتمع الثلاثة في تبديل شيء مما أمرهم الله بتبليغه، أو تغيير معناه عمدًا، لأنه كذب وخيانة وكتمان لما أمروا بتبليغه، وينفرد الأول والثاني في زيادة شيء عمدًا من عند أنفسهم فيما أمروا بتبليغه مع نسبته إلى الله، وينفرد الثاني والثالث في كتمان شيء من المأمور بتبليغه عمدًا، أو ينفرد الأول والثالث في تبديل ما أمروا بتبليغه نسيانًا، وينفرد الأول في الكذب نسيانًا في المأمور بتبليغه، وينفرد الثاني بفعل معصية غير الكذب والكتمان، وينفرد الثالث بنقص شيء مما امروا بتبليغه نسيانًا من غير تبديلٍ.
(قوله: بفعل شيء) أراد بالفعل التلبس، وكأنه قال والخيانة المصورة بالتلبس بشيء، فيشمل القول والفعل القلبي كالحسد والحقد والغل والاعتقادات الفاسدة. (قوله: أو كراهة) مراده بما نهي عنه نهي كراهةً ما ليس بمحرم، فيشمل خلاف الأولى بناء على القول بأنه غير الكراهة، ووقوع المرجوح منه صلى الله عليه وسلم طلاقا وبولًا قائمًا، والوضوء مرة مرة لبيان أن النهي عن ذلك خفيف لا شديدٌ، لا من حيث إنه منهي عنه.
إذا علمت هذا فاعلم أنه لابد من التفطن لقيد الحيثية في قوله مما نهى عنه أي من حيث إنه منهي عنه، فلا ينافي أنه يفعل المنهى عنه لحيثية أخرى كالتشريع. (قوله: من الأعراض) أي من جنس الأعراض، أي الصفات الحادثة. واحترز بالأعراض عن صفات الإله فإنه يستحيل اتصافهم بها خلافًا للنصارى، حيث وصفوا عيسى بصفة الإله، واحترز بالبشرية مما عليه جهلة العرب المانعين وصفهم بأوصاف البشر من الأكل والشرب والجماع للنساء، ويقولون إنهم لا يكونون إلا ملائكةً، فأداهم ذلك إلى تكذيب سيدنا محمدٍ فقالوا كما ذكر الله حكاية عنهم: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] ، فرد الله ذلك عليهم بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] . (قوله: التي لا تؤدي الخ) احتراز من التي تؤدي لنقصٍ كالبلادة وعدم الفطانة، فإنهما أعراض بشرية مؤدية للنقص فيستحيل أن يكون الرسول بليدًا غير فطن، واحترازٌ عن البرص والجذام فإن شأنهما التنفير، واحترازٌ مما عليه اليهود وجهلة المؤرخين من وصفهم لهم بالنقائص كوصف موسى بالأَدَرَة، وداود بالحسد لأوريا حيث حسده على زوجته.
والحاصل أن اليهود فرطوا حتى استنقصوا الأنبياء، ووصفوهم بالأمور المنقصة، والنصارى أفرطوا في التعظيم حتى وصفوا عيسى بصفات الألوهية، وأهل الملة المحمدية لم يفرطوا ولم يفرطوا، فكان بين ذلك قوامًا، وهو الصراط المستقيم. (قوله: كالمرض) مثال للأعراض البشرية. (قوله: ونحوه) أي كالجوع والنوم. (قوله: هو إنسان) خرج عنه الجن والملك، فليس منهما رسول يبلغ الأحكام إلى الخلق، وأما قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} [الحج: 75] ، فليس من هذا القبيل أي الرسول اصطلاحًا، بل المراد رسلًا يرسلهم بالوحي لأنبيائه، فهم رسلٌ لغةً.
واعلم أن لفظ إنسان يطلق على الذكر والأنثى على المعتمد، وحينئذ فالتعريف يفيد أن الأنثى تكون رسولًا، والحق أنها لا تكون رسولًا، وأن الرسالة مشروطة بالذكورة، فإما أن يقال إنه تعريف بالأعم المقصود منه تمييز الرسول عن غيره، وذلك حاصلٌ وإن كان التعريف أعم من المعرف، أو أنه ماش على القول بأن لفظ