فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 238

بعثه الله تعالى للخلق ليبلغهم ما أوحي إليه، وقد يخص بمن له كتاب أو شريعة أو نسخ لبض أحكام الشريعة السابقة، وهذا البعث من الجائزات عند أهل السنة، وأوجبته المعتزلة على أصلهم الفاسد في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح، وأحالته البراهمة لذلك أيضًا، ولا خفاء في هوسهم وكفرهم، والدليل لأهل السنة على أن البعث للرسل جائز لا واجب أن البعث فعل من أفعال الله، وقد علمت أنه جل وعز لا يجب عليه فعلٌ، وإن كان صلاحا أو أصلح، ولا يتحتم عليه تركٌ، وكلامنا في أصل العقيدة واضح لا يحتاج إلى شرح. (ص) أما برهان وجوب صدقهم عليهم الصلاة والسلام فلأنهم لو لم يصدقوا

[حاشية الدسوقي]

إنسان خاص بالذكر، والأنثى يقال فيها إنسانة.

(قوله: بعثه الله تعالى للخلق) أي لجنس الخلق الصادق بكلهم كنبينا، وببعضهم كغيره، وليست للاستغراق، وإلا كان التعريف قاصرًا على من عمت رسالته، ولا يشمل من خصت رسالته، وخرج بقوله:"بعثه الله"من بعثه غيره كالملوك فلا يسمى رسولًا اصطلاحًا. (قوله: ليبلغهم ما أوحي إليه) أي إلى الرسول، و"ما"في قوله ما أوحى إليه موصولة فهي للعموم، أي كل ما يوحى إليه، يعني من حيث كونه مبعوثًا به إليهم، فخرجت الأحكام المأمور بكتمانها، والمخير فيها، وإن دُفع ما يقال إن الرسول لا يبلغ كل ما يوحى إليه، إذ ما أمر بكتمانه أو كان من خواصه لا يؤمر بتبليغه، والتعبير بما الموصولة يقتضي أنه يؤمر بتبليغ كل ما يؤحى إليه.

وحاصل الدفع أن قيد الحيثية معتبر في الكلام، ولا شك أن ما يوحى إليه من حيث كونه مبعوثا به مامور بتبليغ جميعه، وقوله ليبلغهم الخ أشار به للعلة الغائية، وليس من تمام التعريف. وأما النبي فهو إنسان أوحي إليه بشرع أُمر بتبليغه أم لا، فالنبي أعم من الرسول مطلقًا، هذا هو المعتمد، ومقابله قولان: الأول أن الرسول إنسان أوحي إليه بشرع وكان له كتابٌ، فلا بد في الرسول من الكتاب والشريعة، ولا يلزم من كونه له كتاب أن يكون له شريعة، لاحتمال أن يكون ما في الكتاب مواعظ، واعترض هذا القول بأن الكتب قليلة، والرسل كثيرةٌ، فكيف يشترط في الرسول أن يكون له كتاب.

والقول الثاني: يقول لابد في الرسول من أحد أمرين: إما أن يكون له كتابٌ، وإما أن تكون شريعته ناسخة لشريعة من قبله، فإذا نزلت التوراة على موسى وأوحي إلى نبي من بني إسرائيل مثلا بتبليغ أحكامها ولم ينزل عليه كتاب، ولم تكن شريعته ناسخة لشريعة موسى فلا يكون رسولًا.

إذا علمت ذلك: فقول الشارح وقد يخص بمن له شريعة وكتاب أو نسخ الخ، إشارة للقولين المقابلين للمعتمد، وهذا على نسخة الواو في شريعة، وأو في نسخ، وفي نسخة بمن له كتاب أو شريعة أو نسخ، بأو في الاثنين، فيكون المقابل للمعتمد ثلاثة أقوال:

الأول: لابد في الرسول أن يكون له كتاب فقط.

والثاني: لابد أن يكون له شريعة فقط، سواء كانت ناسخة لشريعة من قبله أمْ لا.

والثالث: لابد أن يكون له شريعة ناسخة لشريعة من قبله، واعترضت هذه النسخة التي فيها أو في الموضعين بأنَّ أحد الأقوال الثلاثة هو عين المعتمد، لأن قولنا: لابد أن يكون له شريعة هو عين المعتمد.

(قوله: البراهمة) نسبة لبرهام، كبيرهم، وهم قوم كفارٌ، وأما المعتزلة فهم قوم مسلمون على المعتمد.

(قوله: لذلك) يتبادر منه لوجوب الصلاح والأصلح، فالبراهمة والمعتزلة كل منهما يقول بوجوب الصلاح والأصلح، إلا أن المعتزلة قالوا بوجوب البعثة نظرًا لكونها صلاحًا، والبراهمة حكموا باستحالتها نظرًا لكونها فسادًا لما فيها من المشقة، أو نظرًا لخلوها عن الفائدة فلا يصح أن تكون من فعل الحكيم، لأنها عبثٌ، كذا ذكر بعضهم. وقال العلامة الشيخ يس يَحْسُنُ أن تكون الإشارة راجعة للأصل الفاسد من حيث هو، وهو عند البراهمة التحسين والنقبيح العقليان.

والحاصل أن البراهمة أحالوا البعث بناء على أصلهم الفاسد من التحسين والتقبيح العقليين، لا لو جوب الصلاح والأصلح، فلما قبح عقلهم البعث لما فيه من المشقة حكموا باستحالته. (قوله: في هوسهم وكفرهم) الأمران راجعان للبراهمة، ويحتمل أنَّ الهوس راجع للمعتزلة، والكفر راجع للبراهمة.

(قوله: وأما برهان وجوب صدقهم) أي في دعواهم الرسالة، وفيما بلغوه بعدها، وأما وجوب صدقهم في غير ذلك فإنه مأخوذ من برهان وجوب عصمتهم، وهي الأمانة، وهذا التقييد أشار له الشارح بقوله: هذا برهان صدق الرسل في دعواهم الرسالة، وفيما بلغوه بعد ذلك للخلق. (قوله: فلأنهم لو لم يصدقوا الخ) هذا إشارة إلى قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة مذكورةٍ، واستثنائية مطوية، استثني فيها رفع التالي، فأنتج رفع المقدم، وتقريره أن يقال: لو لم يصدقوا للزم الكذب في خبره تعالى، لكن الكذب في خبره تعالى باطل، فبطل المقدم وهو عدم صدقهم، وثبت نقيضه وهو صدقهم، وهو المطلوب. وقوله لتصديقه الخ بيان للملازمة بين المقدم والتالي في الشرطية، وحاصله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت