فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 238

للزم الكذب في خبره تعالى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى صدق عبدي في كل ما يبلغ عني.

(ش) هذا برهان وجوب صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام في دعواهم الرسالة وفيما يبلغونه بعد ذلك للخلق، وحاصل هذا البرهان أنَّ المعجزة التي خلقها الله تعالى على أيدي الرسل هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة تنزل من مولانا جل وعز منزلة قوله جل وعز صدق عبدي في كل ما يبلغ عني، فلو جاز الكذب على الرسل لجاز الكذب عليه تعالى، إذ تصديق الكاذب كذبٌ، والكذب على الله تعالى محالٌ، لأن خبره تعالى إنما يكون على وفق علمه، والخبر على وفق العلم لا يكون إلا صدقًا، فخبره تعالى لا يكون إلا صدقًا، وقولنا في تعريف المعجزة"أمر"أحسن

[حاشية الدسوقي]

ان الله صدقهم بالمعجزة، ومعلوم أن تصديق الكاذب كذب، فتعين أنهم لو لم يصدقوا بأن كذبوا للزم الكذب في خبره تعالى، ودليل الاستثنائية القائلة لكن الكذب على الله محال أن خبره تعالى على وفق علمه، والخبر الذي على وفق العلم لا يكون إلا حقًا، واعلم أن الملازمة في الشرطية إنما تتم على قول أهل السنة من أنه لا واسطة بين الصدق والكذب، فالصدق مطابقة الخبر للواقع طابق الاعتقاد أم لا، والكذب عدم مطابقة الخبر للواقع وافق الاعتقاد أم لا، وأما على ما قاله المعتزلة من أن الصدق مطابقة الخبر للواقع والاعتقاد معًا، والكذب عدم مطابقته لهما معًا، وأنَّ ما طابق الواقع دون الاعتقاد أو طابق الاعتقاد دون الواقع فهو واسطةٌ، فلا تتم الملازمة لأنه على تقدير أن يكن خبر الرسول موافقا للواقع دون الاعتقاد يصدق عليه أنه لم يصدق، لكنه لا يلزم كذب خبره تعالى، لأن تصديق الله لهم إنما هو باعتبار الواقع، فقول المصنف لو لم يصدقوا أي بان كذبوا، وقالوا ما لا يوافق الواقع وافق الاعتقاد أم لا.

(قوله: للزم الكذب في خبره تعالى) أي خبره الحكمي لا الحقيقي، وذلك لأن المعجزة التي أوجدها الله عند دعواه الرسالة في قوة قول الله صدق عبدي، فهو خبر في المعنى.

واعلم أن لزوم الكذب في خبره تعالى إذا لم يصدقوا مبني على القول بأن المعجزة خبر في المعنى كما قلنا، وبشير إليه قول المصنف لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة، فإن التصديق هو الخبر عن صدقهم فيما أخبروا به من كونهم رسل الله، والمعنى لإخبار الله عن صدقهم فيما أخبروا به إخبارا مصورًا بالعجزة، وأما على القول بان المعجزة مدلولها إنشاء تقديره بَلِّغْ رسالتي فلا يلزم الكذب في خبره تعالى على تقدير عدم الرسالة في نفس الأمر، لأن الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، واللازم على هذا القول إنما هو وجود الدليل، وهو المعجزة بدون المدلول وهو صدق الرسول، ووجود الدليل بدون المدلول باطل. (قوله: النازلة منزلة قوله الخ) من المعلوم أن دلالة:"صدق عبدي"على الصدق وضعية، فلما جعل المصنف المعجزة منزلة منزلة القول المذكور أفاد أن دلالة المعجزة على صدق الرسول وضعية، أي ان الله وضع المعجزة للدلالة على الصدق كوضع صدق عبدي للدلالة عليه، ويحتمل أن يكون المراد النازلة منزلة هذا المركب في الدلالة على الصدق، وإن كانت دلالتها عقلية أو عادية فكلامه محتمل للأقوال الثلاثة، وإن كان الأقرب لكلامه الأول.

وقد علمت أن الراجح عندهم أن دلالة المعجزة على صدق الرسل عادية، وإمكان تخلف العادة عقلًا لا يمنع من القطع بالمدلول، ووجه القول بأن دلالتها وضعية أنها منزلة منزلة التصريح بالقول الموضوع للدلالة على التصديق، ووجه القول بأنها عقلية أن خلق الله تعالى لهذا الخارق على وفق دعوى الرسول، وتحديه بذلك يدل عقلًا على أنه تعالى أراد تصديقه، ووجه القول بأنها عادية أن الله تعالى لم يجر عادته من أول الدنيا إلى الآن بتمكين الكاذب من المعجزات، وإذا خَيَّلَ بسحر ونحوه أظهر فضيحته عن قرب ذلك. (قوله: أنَّ المعجزة الخ) هي مشتقة من الإعجاز، وحقيقته إثبات العجز في الغير، ثم استعمل في لازمه وهو اظهاره، فالمعجزة معناها الأصلي مظهرة العجز، ثم نقلت للأمر الخارق الذي ذكره الشارح الذي هو سبب في إظهار العجز، والتاء في معجزة للنقل من الوصفية للاسمية، وإيضاح ذلك أن المؤنث فرع المذكر، فجعلت التاء فيه لتدل على الفرعية، كذلك المنقول لما كان فرعًا عن المنقول عنه جعلت فيه التاء للدلالة على النقل. (قوله: مقرون بالتحدي) أي بدعوى الرسول أن هذا الأمر الخارق علامة على صدقي.

(قوله: مع عدم المعارضة) أي مع عدم القدرة على المعارضة والإتيان بمثلة. (قوله: تنزل الخ) خبرُ"أن المعجزة"، وقوله وهي أي المعجزة أمر خارق الخ جملة معترضة بين اسم أن وخبرها. (قوله: لأن خبره تعالى إنما يكون على وفق علمه) أي لما تقرر من استحالة اتصافه بأضداد العلم من الجهل ونحوه، وحينئذ فخبره إنما يكون على وفق ما علمه، وذلك يستلزم كونه صادقًا، بخلاف خبر الخلائق فإنه قد يصدق إن كان على وفق العلم، وقد يكذب إن كان على جهل. (قوله: أحسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت