من قول بعضهم فعل، لأن الأمر يتناول الفعل كانفجار الماء مثلا من بين الأصابع، وعدم الفعل كعدم إحراق النار مثلا لإبراهيم عليه السلام، واحترز بقيد المقارنة للتحدي عن كرامات الأولياء، والعلامات الإرهاصية التي تتقدم بعثة الأنبياء تأسيسا لها، وعن أن يتخذ الكاذب معجزة من مضى حجة لنفسه، واحترزنا بقيد عدم المعرضة
[حاشية الدسوقي]
من قول بعضهم فعل الخ) فيه أن تعبيره بأحسن يقتضي أن التعبير بالفعل حسنٌ وصوابٌ، مع أنَّ التعريف يكون غير جامع من أجله، وأجيب بأن المراد بعدم الإحراق صيرورة النار بردًا وسلامًا، أو بقاء الجسم على ما كان عليه من غير احتراق، وذلك فعل لا عدم فعل، وكذا يقال في كل ما هو من هذا القبيل، وحينئذ فالتعريف عند التعبير بالفعل جامع، لكن التعريف بما لا يحتاج لتأويل أولى من التعريف بما يحتاج، وسكت الشارح عن شرح قوله خارق للعادة، وحاصله: أن العادة عبارة عن غلبة حصول الأمر بين الناس، والمعتاد هو الأمر الغالب الحصول بين الناس، وخرقها مخالفة حكمها، فغلبة إحراق النار لما مسته يقال له عادة، وعدم إحراقها لشيء مسته خرق لتلك العادة، وعدم الطيران في الهواء وعدم المشي على الماء وعدم نبع الماء من بين الأصابع أمر غالب في الناس، فحصول المشي على الماء والطيران في الهواء ونبع الماء من بين الأصابع خرق لتلك العادة، وإنما سمي مخالفة الأمر المعتاد خرقا تشبيها له بخرق الشيء المتصل كالثوب، (وقوله: أمر خارق للعادة) شامل لما إذا تعلقت به القدرة الحادثة كالطيران في الجو، والمشي على الماء، وما لم تتعلق به كإحياء الموتى ونبع الماء من بين الأصابع. واحترز به عما لم يخرق العادة، وذلك يشمل المعتاد والقديم، مثال الأول أن يقول أنا رسول الله، وآية صدقي طلوع الشمس من المشرق، وغروبها في جهة المغرب، ومثال الثاني: أن يقول أنا رسول الله: وآية صدقي كون المولى متصفا بصفات الاختراع، فلا يكون هذا معجزة، لأن هذا لا يختص به مدعي الرسالة عن غيره، فلا يدلان على صدقه. (قوله: واحترز بقيد المقارنة للتحدي) المناسب لقوله أولًا وقولنا أن يقول:"واحترزنا"وهو كذلك في بعض النسخ. (قوله: عن كرامات الأولياء) أي على أحد قولين ذكرهما القشيري في رسالته، وحاصله أنه وقع خلاف هل يجوز للولي أن يدعي الولاية بان يقول أنا ولي الله، وآية صدقي أن ينفلق البحر مثلًا، أو لا يجوز، والصحيح الجواز، وأنه لا تفترق المعجزة من الكرامة إلا بدعوى الرسالة فقط، فإخراج الكرامة بقيد التحدي الذي هو دعوى الخارق دليلًا مبني على القول بأنه لا يصح أن يكون هناك ولي يدعي الولاية، ويقول آية صدقي كذا، وأما على القول بصحة ذلك فيفسر التحدي بدعوى الرسالة لأجل إخراج كرامة الولي، لا بما ذكره الشارح من دعوى الخارق دليلًا، وإلا كان التعريف غير مانع.
(قوله: والعلامات الإرهاصية) مأخوذة من الرهص بالكسر وهو أساس الحائط، سميت تلك الخوارق الواقعة قبل البعثة إرهاصا لأنها مؤسسة للنبوة، ومقوية لها، وإن كانت متقدمة عليها، وذلك كخمود نار فارس، وانشقاق إيوان كسرى، والنور الذي كان يظهر في جبهة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم. (قوله: وعن أن يتخذ الكاذب الخ) وذلك بأن يقول: الكاذب: أنا رسول الله اليكم وآية صدقي إحياء الموتى الذي كان على يد عيسى، لكن هذا إنما يخرج بقوله مقرون بالتحدي، إذا جعلنا الألف والالم في قوله بالتحدي عوضًا عن المضاف إليه، أي مقرونا بتحديه، أو جعلنا في الكلام حذفا أي مقرونا بالتحدي منه، وإلا فإحياء الموتى مقارن للتحدي من عيسى عليه السلام، وفي معناه ما يظهر على يد من يتأخر من الأنبياء بعد ظهوره، لأنه لم يقترن بتحدي الكاذب، كما لو كان الكاذب موجودا قبل سيدنا محمد؛ وقال أنا رسول الله اليكم وآية صدقي تبع الماء من بين أصابع النبي الذي يأتي بعدي، فلا يكون نبع الماء من بين أصابع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة لذلك الكاذب، لأن ذلك الخارق لم يقترن بتحدي الكاذب، بل متأخر عن تحديه، وفي معناه أيضا ما إذا قال آية صدقي ما ظهر منى فيما مضى من السنين، وفي معناه أيضا ما إذا ظهر الخارق على يده من غير أن يتحدى، ومن غير إشعار منه به. فإن قلت إذا ادعى الكاذب أنه رسول، واحتج على كذبه بمعجزة من عاصره من الأنبياء التعريف يصدق عليه مع أنها لا تعد معجزة للكاذب المذكور. قلت المراد بكون الخارق مقارنا للتحدي أن يكون مصاحبا له ومن أجله وسببه، وحينئذ فلا يشمل ادعاء الكاذب معجزة من عاصره من الأنبياء مع الإقرار من الكاذب