فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 238

فجعلوها عقلية وأسندوا وجود كل أثر منها لما جرت العادة إنه يوجد معه إما بطبعه أو بقوة أودعت فيه، فأصبحوا وقد باءوا بهوس ذميم وبدعة شنيعة في أصول الدين، وشرك عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم نسأله سبحانه النجاة إلى الممات من مضلات الفتن، والمرور ظاهرا وباطنا على أهدى سنن، بجاه سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم.

[الحكم العقلي]

وأما الحكم العقلي فهو عبارة عما يدرك العقل ثبوته أو نفيه

[حاشية الدسوقي]

الموتى فيكفر، وذلك لأن العادة أن الميت إذا مات يوضع في القبر ولا يحيا بعد ذلك، فربما اعتقد أنه لا يمكن تخلف ذلك فينكر البعث وإحياء الموتى فيكفر.

ومنهم من يعتقد أن المؤثر في المسببات العادية هو الله وحده، وأن الملازمة والمقارنة بين الأسباب والمسببات عادي يمكن تخلفه بأن يوجد السبب دون المسبب وهذا الاعتقاد هو المنجبى عند الله، وهو اعتقاد أهل السنة.

إذا علمت هذا فنقول لك إن ظاهر الشارح يقتضي أن الفرق التي وقع منها الغلط فرقتان فقط من قال إن الأسباب تؤثر بطبعها، ومن قال إنها تؤثر بقوة أودعت فيها، مع أنهم ثلاثة فسكت عن الفرقة الثالثة وهي التي تسند إيجاد المسببات لله حقيقة ولكن تقول إن الربط بين الأسباب والمسببات عقلي لا يمكن تخلفه، وظاهر الشارح أيضا يقتضي أن من قال إن الأسباب تؤثر بقوة يقول إنَّ الربط بين الأسباب والمسببات عقليٌ؛ مع أن القائل بالتأثير بقوة لا يقول بالربط العقلي كما ذكره في شرح المقدمات.

(قوله: فجعلوها) أي فجعلوا متعلقها وهي الأسباب والمسببات عقلية، أي جعلوا التلازم بين متعلقها عقليًا.

(قوله: كل أثر منها) أي من متعلقها وهي المسببات، (وقوله: لما) أي لسبب جرت العادة أنه أي الأثر يوجد معه أي مع السبب كالشبع الذي يوجد مع الأكل. (قوله: فأصبحوا) أي فصاروا (قوله: وقد باءوا) أي في حال كونهم قد انقلبوا (قوله: بهوس) خبر أصبح أي ملتبسين بهوس أي بطرف من الجنون، والهوس في الأصل دوران في الرأس يعتري الإنسان فيصير يتكلم بما لا معنى له، ولاشك أن هذا نوع من الجنون أطلقه الشارح وأرادبه العقيدة الفاسدة لأن شأنها أن لا تصدر إلا ممن عنده نوع من الجنون.

(قوله: ذميم) بالذال المعجمة من الذم ضد المدح أي مذموم غير ممدوح، وبالدال المهملة معناه القبيح ضد الحسن، وقوله بهوس ذميم راجع لقول من قال إن الأسباب العادية تؤثر بطبعها، (وقوله: بدعة شنيعة) أي قبيحة راجع لقول من قال إن الأسباب العادية تؤثر بقوة أودعت فيها. (وقوله: وشرك عظيم) يصلح رجوعه لكل من القولين؛ لأن الشرك منه ما يكفر كالأول، ومنه ما لا يكفر، وإنما يفسق كالثاني.

(قوله: في أصول الدين) الإضافة للبيان. (قوله: من مضلات الفتن) أي من الفتن المضلة، والفتن جمع فتنة وهي الأمر الذي يمتحن الله به عبده، كما إذا كان الشخص عالما يحقق العلوم وليس عنده ما يأكله ويجد الجهلة متنعمين بالمآكل والملابس الفاخرة، فإن هذه فتنة مضلة لأنها ربما أوقعت غير الموقف في الضلال، وأما الموفق فلا يضل بل يقول: إن نعم الله قسمان معنوية وهي العلم لأن اللذة به معنوية، وحسية، فالمولى أعطى النعم المعنوية للعلماء وأعطى النعم الحسية لغيرهم، فالمعنوية أعظم من الحسية، وأنشد بعضهم في هذا المعن: ى

كم عالم يسكن بيتا بالكرا *** وجاهل يملك قصورًا وقرى

لما قرأت قوله سبحانه *** نحن قسمنا بينهم زال المرا

(قوله: والمرور) عطف على النجاة أي نسأله أن يمر ظاهرنا من جهة اللسان وباطننا من جهة الباطن على أهدى طريق أي على طريق هاد مستقيم، ومراده بظاهره لسانه، وبباطنه قلبه، وكأنه قال نسأله أن يجعل لساننا وقلبنا مارين على الطريق المستقيم بأن لا ينطق لسانه إلا بما في النطق به ثواب، ويعتقد قلبه كل ما هو صواب. (قوله: بجاه الخ) أي حالة كوننا متوسلين في قبول دعائنا بجاه سيدنا محمد أي بمنزلته عندك يا الله.

(قوله: عما يدرك العقل ثبوته أو نفيه) أي عن محكوم به يدرك العقل ثبوته كوجوب الوجود في قولك الله واجب الوجود، أو نفيه أي انتفاءه بقرينة مقابلته بالثبوت وذلك كوجود الشريك في قولك شريك الباري ليس موجودًا، ويحتمل وقوع"ما"على نسبة أي عبارة عن نسبة يدرك العقل ثبوتها أي مطابقتها للواقع، وعلى كلا الاحتمالين فليس الحكم العقلي من أفراد مطلق الحكم الذي عرفه سابقا بأنه إثبات أمر أو نفيه لأن الحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت