من غير توقف على تكرر ولا وضع واضع، وهذا الحكم الثالث هو الذي تعرضنا له في أصل العقيدة، فقولنا الحكم العقلي احتراز من الشرعي والعادي، وقد عرفت معناهما، وقوله: ينحصر في ثلاثة أقسام يعنى أن كل ما يتصور في العقل أي يدركه من ذوات وصفات وجودية أو سلبية أو أحوال قديمة أو حادثة لا يخلو عن هذه الثلاثة الأقسام، أي لابد له أن يتصف بواحد منها إما بالوجوب أو الجواز أو الاستحالة، وقوله فالواجب ما لا يتصور في العقل عدمه يعنى أن الواجب العقلي هو الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه، يعنى إما ابتداء بلا احتياج
[حاشية الدسوقي]
العقلي إما المحكوم به الذي يدرك العقل ثبوته أو نفيه، أو النسبة التي يدرك العقل ثبوتها بمعنى مطابقتها، والحكم المطلق إدراك ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه فلو قال فهو عبارة عن إثبات أمر أو نفيه من غير توقف على تكرر ولا وضع واضع لكان ظاهرا، ولك أن تجعل"ما"واقعة على حكم بالمعنى السابق وهو الإثبات والنفي، أي إدراك الثبوت والانتفاء، وتجعل الضمير في قوله يدرك العقل ثبوته راجعا للحكم بمعنى النسبة الحكمية على طريق الاستخدام، ويراد بثبوتها وقوعها ومطابقتها لما في الخارج، ويراد بنفيها عدم وقوعها ومطابقتا لما في الخارج، وكأنه قال الحكم العقلي عبارة عن حكم يدرك العقل وقوع نسبته أو عدم وقوعها، والأول في القضية الموجبة، والثاني في القضية السالبة، وعلى هذا الاحتمال يكون العقلي من أفراد الحكم المطلق المعرف بما مر فتأمل.
(وقوله: يدرك العقل) نسبة الإدراك فيه للعقل مجاز عقلي من نسبة الشيء لآلته لأن المدرك حقيقة النفس، لكن بواسطة العقل.
(قوله: من غير توقف على تكرر) أي فإذا حكم بأن شرب القهوة أو أكل الضأن يذكي الفهم حين استعماله لذلك أول مرة كان ذلك الحكم عقليًا، وأما إذا حكم بذلك بعد استعماله مرتين فأكثر كان الحكم عاديًا، فقوله من غير توقف على تكرر مخرج للحكم العادي وهو متعلق بيدرك.
(قوله: ولا وضع واضع) خرج الحكم الشرعي فإنه متوقف على وضع الواضع وهو التعلق التنجيزي، والحاصل أن الحكم الشرعي هو كلام الله الأزلي المتعلق بأفعال الكلفين تعلقا تنجيزيا، فالشرعي متوقف على التعلق التنجيزي لأخذه في مفهومه، وهو وضع منسوب لواضع، أي لجاعل وهو المولى، والمراد بكون المولى واضعا للتعلق وجاعلا له أنه حاصل بإرادته، والإتيان بهذا القيد لإخراج الحكم الشرعي فيه نظر، لأن الحكم الشرعي وهو خطاب الله الخ لم يكن داخلا في"ما"لواقعة على النسبة أو المحكوم به، أو على الحكم بالمعنى السابق حتى يحتاج لإخراجه بهذا القيد.
(قوله: وهذا الحكم الثالث هو الذي تعرضنا له الخ) إنما تعرض له دون غيره لانقسام العقائد الدينية لأقسامه، ولأن العقائد أحكام عقلية، ولهذا كانت على نحو أقسامه. (قوله: في أصل العقيدة) الإضافه للبيان. (قوله: فقولنا) أي في العقيدة (قوله: يعنى أن كل ما يتصور في العقل) أي كل ما يُصَدِّقُ به العقل من النسب الحكمية، وكل ما يدركه في الأمور التي يحكم بها على غيرها، أو يحكم عليها بغيرها. (قوله: أي يدركه) قد علمت فيما سبق أن الإسناد في ذلك مجاز عقلي، وكذا يقال في جميع ما يأتي من إسناد الإدراك للعقل فلا تغفل.
(قوله: لا يخلو عن هذه الثلاثة الأقسام) أي لا يخلو عن الاتصاف بواحد من هذه الثلاثة الأقسام كما أشار له بقوله أي لابد له الخ وهذا يشير لما قلناه سابقا من أن المراد بانحصار الحكم العقلي في الأقسام الثلاثة عدم خروجه عنها، بمعنى أن متعلقه وهو كل من المحكوم به وعليه والنسبة لابد من اتصافه بواحد من هذه الأمور الثلاثة.
(قوله: فالواجب) أي فالأمر الواجب أي المتصف بالوجوب وهو عدم قبول الانتفاء.
(قوله: يعني أن الواجب العقلي) احترز بذلك عن الشرعي فإنه الأمر الذي طلب الشرع فعله طلبا أكيدا (قوله: هو الأمر الذي لا يدرك في العقل الخ) فيه إشارة إلى أن ما موصولة وأنَّ يتصور بمعنى يدرك إدراكًا تصديقيا كما سبق، ومصدوق الأمر النسبة الحكمية وكذا المحكوم به وعليه (وقوله: عدمه) أي عدم أفراده في الخارج.
(قوله: إما ابتداء) أي وعدم إدراك عدمه إما ابتداء. (قوله: بلا احتياج) الأولى أي بلا احتياج إلى سبق نظر لأنه تفسير لقوله ابتداء، فإن قيل: حيث كان تفسيرا له فما وجه زيادة قوله ابتداء؛ وهلا قال هو الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه إما بلا احتياج إلى سبق نظر وإما بعد سبق النظر. والجواب أنه زاد قوله ابتداء لأنه الواقع في عبارتهم، ثم فسره بقوله بلا احتياج الخ، وقوله بلا احتياج الخ أي وإن توقف على حدس أي تخمين أو تجربة، فالحدسيات والتجر بيات من جملة الضروري، والحاصل أن الضروري يقال في مقابلة النظري فيفسر بما لا يحتاج لنظر فيكون شاملا