فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 238

إلى سبق نظر ويسمى الضروري كالتحيز مثلا للجِرْمِ؛ فإن العقل ابتداء لا يدرك انفكاك الجرم عن التحيز

[حاشية الدسوقي]

للتجربيات والحدسيات وقد يقال الضروري في مقابلة الاكتسابي، فيفسر بما لا يتوقف على شيء فيكون قاصرا على الأوليات ولا يشمل التجريبيات والحدسيات. (قوله: إلى سبق نظر) من إضافة الصفة للموصوف أي إلى نظر سابق على التصور، والنظر ترتيب أمور معلومة ليتوصل بها إلى أمر مجهول. (قوله: ويسمى الضروري) ضمير يسمى عائد على الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه من غير احتياج لسبق نظر، وقوله الضروري أي الواجب الضروري فهو على حذف الموصوف، فالتسمية بمجموع الصفة والموصوف لا بالصفة فقط، لأن المسمى بها ما لا يحتاج إلى نظر أعم من أن يكون واجبًا أو مستحيلا أو جائزًا لا الواجب الذي لا يحتاج إلى نظر، ويحتمل أن يكون ضمير يسمى راجعا لما يفهم من قوله بلا احتياج إلى سبق نظر أي ويسمى ما لا يحتاج لسبق نظر مطلقا واجبا كان أو غيره بالضروري، وعلى هذا فلا يحتاج لتقدير الموصوف.

واعلم أن الضرورية من صفات العلم أي الإدراك فتسمية الأمر الذي لا يدرك في العقل عدمه من غير احتياج لنظر بالضروري وهو النسبة أو المحكوم عليه أو به من تسمية الشيء باسم متعلِقه بكسر اللام وهو العلم، ويمكن أن يقدر مضاف في العبارة عند قوله ويسمى أي ويسمى تصوره أي الأمر المذكور ضروريا أو يجعل الضمير في يسمى راجعا للأمر لكن من حيث قيام ذلك الأمر بالقوة العاقلة وادراكها له، فإنه من تلك الحيثية علم، ومعلوم من حيث هو في نفسه، فالعلم والمعلوم متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار على ما حرر في محله، وأما ارتكاب تقدير مضاف قبل ما التي هي بمعنى الأمر أي فالواجب تصور ما لا يتصور في العقل عدمه، وضمير يسمى راجع لذلك المحذوف فهو فاسد لأن التصور ليس واجبا ولا مستحيلا بل هو جائز دائما.

(قوله: كالتحيز مثلا للجرم) أي وكذلك ثبوت التحيز له، واما إدراك وقوع هذا الثبوت فليس بواجب بل هو جائز لما علمت أن الحكم دائما متصف بالجواز لا يقال إن التحيز للجرم لا يجب وجوده لكونه مسبوقا بعدم طارئ، ويطرأ بطرو الجرم وحينئذ فالتمثيل بالتحيز للجرم غير صحيح، لأنا نقول إنما مثل به المصنف للمحكوم به الواجب النسبة في نفس الأمر، ولا يخفى أنه كذلك، وفرق بين الأمر الواجب الموصوف نسبته بالوجوب وبين الشيء الواجب الوجود، فالثابت للتحيز الوجوب أي عدم قبول الانتفاء عن الجرم لا وجوب الوجود المتضمن عدم سبقية العدم وطروه فافهم.

(قوله: مثلًا) أي وكأحد الأمرين من الحركة والسكون للجرم، وكثبوت أحدهما لا بعينه للجرم، ومراده بالجرم ما حل في فراغ سواء كان جسما وهو ما تركب من جوهرين فردين فأكثر، أو كان جوهرا فردا وهو الجزء الذي لا يتجزأ، فالتحيز أي الحلول في حيز لا يختص بالجسم بل يكون للجوهر الفرد أيضا، وذلك لأن الحيز عند المتكلمين هو الفرغ المتوهم الذي يشغله شيء سواء كان ممتدًا كالجسم أو غير ممتد كالجزء الذي لا يتجزأ، وهو عدم محض يخطر بالبال وليس شيئا موجودًا عندهم، فالجوهر الفرد متحيز، وإن كان غير ممكن إذ يعتبر في الممكن الامتداد، فالمكان أخص من الحيز عند المتكلمين، لأن المكان عندهم هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد، وليس المراد به ما استقر عليه الجسم من الأرض، وأما الحيز فهو الفراغ الذي يشغله شيء سواء كان ممتدًا أو غير ممتدٍ، ومترادفان عند الحكماء لأنهم نفوا وجود الجوهر الفرد، فالشاغل للفراغ عندهم لا يكون إلا ممتدًا.

واعلم أن الواجب إما عرضي واما ذاتي، والذاتي إما مطلق أو مقيد، فالواجب العرضي كوجود الممكن الذي تعلق علم الله بوقوعه فهو بالنظر لذاته جائز لاستواء وجوده وعدمه، ولكن عرض له الوجوب من تعلق علم الله بوقوعه، والواجب الذاتي المطلق كذات الله وصفاته، والواجب الذاتي المقيد التحيز للجرم فإنه واجب له ما دام باقيا، وكلام الشارح في الواجب الذاتي بقسميه، ولذا مثل بالتحيز والقدم، وأما الواجب العرضي فهو من قبيل الجائز.

(قوله: فإن العقل ابتداء لا يدرك انفكاك الجرم الخ) فيه أن هذا مخالف لقولهم ما يمتنع انفكاكه عن الماهية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت