{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام: 102] ، وقال جل وعز: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 107] ، وقال تبارك وتعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] .
(ص) فهذه
[حاشية الدسوقي]
الخبرية، وبقدر متعلق بفعلها، فيلزم عموم خلق الأشياء يعنى الممكنات بإجماعٍ، إذ لا تعلق للخالقية بغيرها، وتحتمل الوصفية، وبقدر هو الخبر؛ وهو احتمال صحيح في نفسه ليس هناك ما يدفعه صناعةً، لكنه غير متعين لها لما سبق من احتمال الخبرية المفيد للعموم، والاحتمال مسقط للاستدلال، سلمنا أنه صفة لكن لا نسلم أن المحترز عنه أفعال العباد بل المحترز عنه المجمع عليه وهو ذاته وصفاته يعنى إن الشيء الغير المخلوق ليس بقدر وهو ذاته، وهم يقولون أفعال العباد، والمجمع عليه مقدم على المختلف فيه، سلمنا تساويهما فالاحتمال يسقط الاستدلال.
(قوله: ذلكم الله ربكم) الآية استدلال على ثبوت الوجه الأول وهو نفي الكثرة في ذاته إذ لو كان مركبًا كان كل جزء إلها فيكون أربابا لا ربًا واحدًا، وعلى ثبوت بعض الوجه الثاني وهو نفي النظير له في ذاته لأن قوله لا إله إلا هو نظير كلمة الشهادة في الدلالة على نفي النظير في الذات وعلى ثبوت الوجه الثالث وهو انفراده بالإيجاد، ثم إن قوله خالق كل شيء أي ما عدا ذاته وصفاته فإنهما غير مخلوقين له فهو عام أريد به الخصوص أو أن الشيء بمعنى المشيء والمشيء هو المراد والإرادة إنما تتعلق بالممكنات.
(قوله: له ملك السموات والأرض) استدلال على انفراده تعالى بالإيجاد وذلك لأن المراد بالملك التصرف؛ أي التصرف في السموات والأرض وما فيهما مملوك له تعالى ولا يكون مالكًا للتصرف فيهما إلا إذا كان منفردا بإيجادهما وإيجاد ما فيهما من ذوات وصفات وأفعال، فلو كان لأحد تأثير في أثر ما لم يكن المولى مالكا للتصرف فيهما لكن التالي باطل. (قوله: والله خلقكم وما تعملون) استدلال على انفراده تعالى بالإيجاد سواء كانت ما مصدرية أو موصولة بمعنى الذي، وجعلها مصدرية أولى لأنه لا يحوج إلى تقدير عائد بخلاف جعلها موصولة فإنه يحوج لتقدير العائد والمعنى على جعلها مصدرية والله خلقكم وخلق عملكم، والحجة لنافيه ظاهرة فليس العبد يخلق أفعاله، والمراد بالعمل الحاصل بالمصدر وهو الحركات والسكنات لا المعنى المصدري وهو الإيقاع أعنى مقارنه القدرة الحادثة للحركات لأنه أمر اعتباري لا يتعلق به الخلق، بل هو متجدد بنفسه بعد عدم، والمعنى على جعلها موصولة والله خلقكم وخلق الذي تعملونه أي وخلق العمل الذي تعملونه، والمراد به المعنى الحاصل بالمصدر فرجع المعنى على الموصولية للمعنى الأول الكائن على جعلها مصدرية، وعلى كل فالآية حجة لنا على انفراده تعالى بالإيجاد، ورد على المعتزلة القائلين أن العبد يخلق أفعال نفسه، فإن قيل يحتمل أن العائد على جعلها موصولة يقدر مجرورا أي وخلق الذي تعملون فيه أي الأجساد والذوات التي تعملون فيها، أي يقع عملكم فيها وحينئذ فتكون الآية دالة على أن الله خلقنا وخلق ما تحل فيه أعمالنا من أحجار لبناء وشاة لجزار وقرطاس لكاتب وخشب لنجار وغير ذلك فتكون الآية ليست فيها دلالة على أن الله خلق أفعال العباد، فلا وجه لاحتجاج المتكلمين بها على المعتزلة، قلت هذا الاحتمال يضعفه كون حذف العائد المنصوب أصلا وأنه الأكثر على أنه يشترط في جواز حذف العائد المجرور كونه جر بما جر به الموصول، والموصول ههنا لم يجر، وإذا علمت أن هذا الاحتمال ضعيف فلا يُخَرَّج كلام الله عليه، فإن قلت إن إسناد الفعل للعباد كما في الآية يقتضي أنهم خالقون لأفعالهم كما تقول المعتزلة، قلت محل النزاع بيننا وبينهم في الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر لا بالمعنى المصدري وهو الإيقاع والإسناد من حيث الإيقاع، والحاصل أن إدخال العمل تحت قدرة الرب بعطف"ما"على ما قبلها جعلْتَها مصدريةً أو موصولةً يراد بها الحاصل بالمصدر، ونسبة العمل إلى العبد في تعملون على جهة الإيقاع الخارج عن محل النزاع كذا قال السعد، وكلام الشارح في الكبرى يقتضي أن المعنى الحاصل بالمصدر ينسب لله خلقا واختراعًا، وللعبد كسبا واقترانًا؛ فلا استحالة في دخوله تحت قدرتين لاختلاف جهة التعلق، أعنى الخلق والكسب أي الاقتران.
(قوله: فهذه) أتى بالفاء إشارة إلى ان هذا الكلام نتيجة لما تقدم، وحكمة ذكره لجملة عددها مع كونه معلومًا من تتبعها توطئة إلى تقسيمها بعد ذلك إلى نفسية وسلبية أو خوفًا من