في حقه تعالى تشتمل على ثلاثة أوجه أحدها نفي الكثرة في ذاته تعالى، ويسمى الكم المتصل، الثاني نفي النظير له جل وعز في ذاته أو في صفة من صفاته ويسمى الكم المنفصل، الثالث انفراده تعالى بالإيجاد والتدبير العام بلا واسطة ولا معالجة فلا مؤثر سواه تعالى في أثر ما عموما قال جل من قائل: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] ، وقال تعالى
[حاشية الدسوقي]
هناك أحد من الحوادث له قدرة كقدرة الله توجدُ الذواتَ، ونفي الشريك في الأفعال معناه أنه ليس هناك أحد له قدرة توجد الأفعال. (قوله: في حقه تعالى) إنما قال في حقه تعالى إشارة إلى أن للوحدة معاني أخرى لا تصح في حقه كوحدة الجنس ووحدة النوع ووحدة الشخص، إذ لا جنس له فيتحد مع غيره فيه، وكذلك لا نوعَ له فيتحد مع غيره فيه، مثال الأول اتحاد الإنسان والفرس في الحيوان، ومثال الثاني اتحاد زيد وعمرو في الإنسان، فيقال: الإنسان والفرس واحدٌ بالجنس أي متحدان فيه، ويقال زيد وعمرو واحدٌ بالنوع أي متحدان فيه، ومثال الثالث زيد فإنه واحد بالشخص بمعنى أنَّ مُشَخَّصَاتِهِ قاصرة عليه لا توجد في غيره.
(قوله: تشتمل على ثلاثة أوجه) أي من اشتمال الكلي على جزئياته، لأن الوحدة في الذات والصفات والأفعال جزئيات لمطلق الوحدة. (قوله: ويُسمى الكم المتصل) ضمير يسمى عائد على ذي الكثرة، وهو مقدار الجسم الذي هو ذو أجزاء، وليس الضمير عائدًا على النفي كما هو ظاهر، ولا على ما ذكر من الكثرة لأن الكم المتصل اسم للمقدر المذكور لا للنفي، ولا لما ذكر من الكثرة. (قوله: أو صفة من صفاته) قد ترك الشارح نفي الكم المتصل فيها؛ وقد علمت ما فيه. (قوله: ويسمى الكم المنفصل) ضمير يُسمى عائد على ذي النظير والمراد به العدد المتحصل من الشيء ونظيره، وليس الضمير عائدًا على النظير ولا على نفيه، لأن كلا منهما ليس كَمًَّا، والحاصل أن الكم ما قبل القسمة لذاته، ثم إن كان لأجزائه المفروضة حد مشترك فهو المتصل وهو إما قَارُّ الذات أي مجتمع الأجزاء في الوجود أوْ لا، الثاني الزمان، والأول المقادير العارضة للجسم الطبيعي كالسطح؛ والجسم التعليمي، وإن لم يكن لأجزائه حد مشترك فهو الكم المنفصل كالعدد.
ثم اعلم أن قولهم لنفي الكم المنفصل يُراد به نفي ما حصل به الكم وهو الثاني مثلًا لا نفي الكم من أصله لشموله للحق سبحانه فتأمل.
(قوله: والتدبير) هو النظر في عواقب الأمور لتقع على الوجه الأكمل وهو بهذا المعنى محال في حق الله؛ فيراد بالتدبير في حقه تعالى لازمه وهو إيقاع الأمور على الوجه الأكمل. (قوله: بلا واسطة) يحتمل أن يراد بها الآلة كالقدوم بالنسبة للنجار، ويحتمل أن يراد بها القوة التي أثبتها من قال إن الأسباب العادية تؤثر بقوة أودعها الله فيها، ويحتمل إرادتهما معاُ وهو أولى، والمعنى أن المولى سبحانه لا يؤثر بقوة يودعها في الوسائط كالطعام والماء مثلاُ، وليس فعله كفعل العباد في احتياجهم إلى آلات ومعالجة وهي الحركات والسكنات. (قوله: عموما) أي على جهة الشمول العمومي أي سواء كان ذلك الأثر ذاتًا أو صفةً أوْ فعلًا كان اختياريا أو اضطراريًا؛ أي بالنسبة إلينا. (قوله: إنا كل شيء خلقناه بقدر) هذا استدلال على الوجه الثالث وهو انفراده تعالى بالإيجاد.
واعلم أن في الآية قراءتين قراءة النصب وقراءة الرفع، فعلى الأولى اسم إنَّ"وكل شيء"معمول لمحذوف يفسره المذكور أي إنَّا خلقنا كل شيء، والجملة خبر إن، وقوله خلقناه جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، أو في محل ما فسرته وهو خبر إن، وقوله: بقدر متعلق إما بالفعل المحذوف أو المذكور، والمعنى انا خلقنا كل شيء بقدر أي بقدرتنا، وهذا تعميم لجميع الأشياء، ولا يصح أن تكون جملة الاشتغال صفة لشيء، لأن الصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يُفَسِّرُ عاملًا في باب الاشتغال، فلو كان صفة ما صح النصب على الاشتغال، والفرض في القراءة النصب على الاشتغال فبطل كونه صفةً، وإذا بطل كونه صفة لم يكن تقييدًا لشيءٍ فلا يأتي فيه ما ظنه المعتزلي من المعنى كل شيء مخلوق لنا، فهو بقدر يعنى وهناك شيء ليس بمخلوق بقدر وهي أفعال العباد لما قلنا، ولئن سلمنا ما هو كالمحال من جعل الجملة صفة مع الاشتغال والتقييد بالخلقية فيكون المعنى إنا خلقنا كل شيء مخلوق بقدر، فيحترز عن شيء ليس بمخلوق فهو ليس بقدر، وذلك ذاته وصفاته القديمة، فغاية ما دلت عليه الآية أن هناك شيأ لم يخلقه، فنحن نقول ذاته وصفاته، وهم لا يخالفون فيه، وهم يقولون المراد أفعال العباد الاختيارية ونحن نخالفهم فيها، والتفسير بالمتفق عليه متعين، والتفسير بغيره دعوى من المخالف يحتاج لإثباتها، وأما على قراءة الرفع فجملة خلقناه تحتمل