(ص) ومخالفته تعالى للحوادث (ش) أي لا يماثله تعالى شيء منها مطلقا
[حاشية الدسوقي]
لفظهما مع أن المراد بهما المعنى إذ هو المعدود من الصفات، فالأولى أن يقول وليس هما معنى موجودًا في الخارج عن الذهن، أي في خارج الأعيان ثم بعد هذا فيقال إن هذا لا يفيد خصوص كونهما سلبيين لصدقه بكونهما حالًا، نعم يفيد رد القول بكونهما وجوديين وهو قول عبد الله بن سعد بن كلاب بضم الكاف وتشديد اللام في القدم وقول الأشعري في البقاء، فكان الأولى للشارح أن يزيد ولا ثابتا في نفسه. (فوله ومخالفته الخ) عطف على ما قبله من عطف اللازم على الملزم إذ يلزم من وجوب الوجود والقدم والبقاء مخالفته للحوادث ولم يكتف بذكر الملزوم عن ذكر اللازم لما سبق من خطر هذا الفن فلا يكتفى فيه بدلالة الالتزام، والضمير في مخالفته عائد على مولانا المتقدم في قوله فمما يجب لمولانا، وهذا الضمير هو الذي خلفته أل في الوجو والقدم والبقاء والاصل فيه وجوده وقدمه وبقاؤه، وإنما أتى بالضمير مع المخالفة ولم يأت بخلفه كما أتى به مع الوجود والقدم والبقاء تفننا أو ليتوصل للوصف المعنوي بقوله تعالى الدال على تنزيهه عما لا يليق به من المماثلة مثلًا، فإن قلت أي فائدة في الإتيان بقوله"تعالى"حتى يتوصل له بما ذكر.
قلت فائدته الرد على المجسمة والجهوية. إن قلت لم أتى به أي بقوله تعالى في هذه الصفة والتي بعدها دون بقية الصفات قلت إنما أتى به مع هاتين الصفتين دون بقية الصفات لأنه لم يصرح أحد من العقلاء باتصافه تعالى بنقائض تلك الصفات ما عدا نقيض المخالفة، فإن المجسمة صرحوا بأنه جسم والجهوية صرحوا بالجهة، وقالوا: إنه تعالى في جهة العلو، ونقيض القيام بالنفس فإن النصارى صرحوا به وقالوا إنه تعالى صفة قائمة بذات عيسى على ما سيأتي بيانه، فإن قلت لو كان السر ما ذكر لأتى بذلك أي بقوله تعالى مع الوحدانية ردا على الثنوية الذين صرحوا بالتعدد في الإله فالجواب أن رد قول الثنوية وارد في الكتاب والسنة بكثرة، فلذلك لم يكترث بكلامهم حتى يرد عليه، ثم إن المراد بالخالفة الواجبة له تعالى المخالفة المطلقة أعم من أن تكون في الذات فقط أو في الصفات فقط أو في الأفعال فقط أو في الجميع فإن قيل لم قال ومخالفته تعالى للحوادث ولم يقل ومخالفة الحوادث له تعالى. قلت إنما أضاف المخالفة لله دون الحوادث إشارة إلى ارتفاع المولى واستعلائه على غيره، وأنه هو المخالف لغيره فلو أضافها للحوادث لربما توهم استعلاء غيره عليه وأنه هو المخالف له تعالى لأن المخالفة بحسب العادة تسند للأعلى دون الأدنى فيقال خالف السلطان الوزير دون العكس.
(قوله: للحوادث) هو جمع حادث، وهو الموجود بعد عدم وهو الجواهر والأعراض، وإطلاق الحادث على المتجدد بعد عدم من الأحوال مجازٌ.
واعلم أن الممكن أعم من الحادث، لأن الممكن ما استوى وجوده وعدمه، وهو صادق بالممكن الموجود بعد عدم، وبالممكن المعدوم. فإن قيل: إن المخالفة كما تجب له تعالى بالنسبة للمكن الموجود بعد عدم تجب له تعالى بالنسبة للممكن المعدوم الذي لم يحدث فلم خص المصنف المخالفة بالممكن الموجود بعد عدم، فالجواب أن المماثلة إنما تتوهم فيمن شاركه في الوجود وليس ذلك إلا في الموجود بعد عدم، فلذا خص المخالفة بالحوادث أي الممكنات الموجودة بعد عدم، فإن قيل لم قال للحوادث ولم يقل للعالم بفتح اللام مع أنه مساوٍ له إذ هو الأجرام والأعراض فقط بناء على التحقيق من نفي الأحوال، فالجواب أنه قال للحوادث لأنه أوضح من العالم أو مخافة تصحيف العالم بفتح اللام بالعالم بكسرها، وقولنا على التحقيق أي وأما على مقابله فالعالم أعم من الحادث لقصور الحادث على الأجرام والأعراض، وزيادة العالم على الحادث بالأحوال إذ إطلاق الحادث عليها مجاز كما علمت. (قوله: أي لا يماثله تعالى شيء منها) أي من الحوادث، وهو تفسير لمخالفته تعالى للحوادث باللازم لأن نفي مماثلة الحوادث له يستلزم نفي مماثلته لها الذي هو معنى مخالفته لها، وذلك لأنه لا يصح نفي المماثلة عن أحد الأمرين مع ثبوتها للآخر، فإذا صدق أن لا شيء مثل الله صدق أن الله لا مثل له في شيء، فإن قلت المناسب لإسناد المخالفة لله دون الحوادث إسناد المماثلة المنفية لله دون الحوادث بأن يقول أي لا يماثل المولى شيئا منها ليكون