ولا يستحيل؛ إذْ لو وجب عليه فعل الصلاح والأصلح للخلق كما تقوله المعتزلة لما وقعت محنة دنيا ولا أخرى، ولما وقع تكليف بأمر ولا نهي، وذلك باطل بالمشاهدة، وما يقدر من الصالح مع تلك المحن والتكاليف فالله تعالى قادر على إيصال تلك المصالح بدون مشقة أو محنة أو تكليف، وأيضا فليست تلك المصالح عامة في جميع الممتحنين والمكلفين للقطع بأن المحنة والتكليف في حق من خُتم عليه بالكفر والعياذ بالله تعالى تقمة عظيمة وتعريض للهلاك الأبدي. نسأل الله تعالى العافية في ديننا ودنيانا وحسن الخاتمة بلا محنة ولا مشقة.
[مبحث برهان الوجود]
(ص) أما برهان وجوده تعالى
[حاشية الدسوقي]
تعالى الذي لا يتخلف أو لاقتضاء حكمته وجوده، أو لتعلق علمه في الأزل بوجوده.
والحاصل أنه ليس مراد الأشعري بقوله إنه لا يجب على الله شيء نفي الوجوب مطلقًا، بل المراد نفي الوجوب باعتبار ذاته تعالى، وهذا لا ينافي أنه قد يجب عليه باعتبار صفاته كما لو اقتضت حكمته شيئًا فلابد منه بمقتضي الحكمة؛ وإن لم يجب باعتبار ذاته، وكما لو علم في الأزل وجود شيء فلابد من وجوده وإلا انقلب العلم جهلًا؛ وإن لم يكن وجوده واجبًا باعتبار ذاته، وكما إذا أخبر بحصول ثواب في المستقبل للطائعين فلابد من حصوله لئلا يتخلف الوعد؛ وإن لم يكن وجوده واجبا باعتبار ذاته، ولا محذورَ في ذلك.
(قوله: لا يستحيل) الضمير عائد على شيء من ذلك، لكن على حذف مضاف والتقدير ولا يستحيل تركه أي ترك شيء من ذلك خلافا للمعتزلة في قولهم باستحالة ترك الثواب للطائع والعقاب للعاصي، وباستحالة ترك بعث الأنبياء، وباستحالة ترك فعل الصلاح والصلح بالنسبة لكل مخلوق. (قوله: إذ لو وجب الخ) هذا دليل استثنائي استدل به على عدم وجوب الصلاح والأصلح عليه تعالى. وحاصله لو وجب عليه تعالى فعل الصلاح والأصلح لكل فرد من الخلق لما وقعت محنة في الدنيا ولا في الآخرة، ولما وقع تكليف بأمر ولا نهي لأنه لا صلاح في المحن والتكاليف؛ لكن التالي باطل بالمشاهدة فبطل المقدم وهو وجوب الصلاح والأصلح، وثبت جوازهما وهو المطلوب. والدليل على أنه لا يجب عليه شيء من الثواب والعقاب وبعث الرسل أن تقول لو وجب عليه تعالى شيء لما كان فاعلًا مختارًا لكن التالي باطل.
(قوله: كما تقوله المعتزلة) أما البغداديون منهم فأوجبوا ما هو الأصلح في الدين والدنيا، وأما البصريون منهم فأوجبوا ما هو الأصلح في الدين فقط. قال الدواني: ولا يخفى أن مرادهم الأصلح بالنسبة إلى الشخص لا بالنسبة للكل من حيث هو كل. (قوله: لما وقعت محنة) أي ابتلاء بما يؤلم، وقوله لما وقعت الخ أي لأن المحن والتكاليف ليس فيها صلاح ولا أصلح، وإنما فيها إتعاب البدن، فلو وجب الصلاح والأصلح لانتفت المحن والتكاليف التي لا صلاح فيها.
(قوله: وذلك باطل بالمشاهدة) أي وعدم وقوع كل من المحن والتكاليف باطل بالمشاهدة، لأننا نشاهد وقوع المحن ووقوع التكاليف، هذا كلامه. واعتُرِضَ بأن وقوع كل منهما غير مشاهد لأن الوقوع أمر اعتباري. وأجيب بأن متعلق الوقوعين وهو المحن والأمور المكلف بها لما كان مشاهدًا صار كل من الوقوعين كأنه مشاهد. والحاصل أن مشاهدة كل من الوقوعين بمشاهدة متعلقه فتأمل.
(قوله: وما يقدر الخ) هذا جواب عما أورده المعتزلة على الشرطية المتقدمة، وحاصل ما أوردوه أن قولكم: لو وجب عليه تعالى فعل الصلاح والأصلح لانتفت المحن والتكاليف لأنه لا صلاح فيها هذا ممنوعٌ، بل وقوع كل منهما فيه صلاح للعبد وهو الثواب الأخروى. وحاصل الجواب أن ما ذكرتموه من أن وقوع كل منهما فيه صلاح لا يتم إلا لو كان بين وقوع المحن والتكليف وبين الصلاح الذي هو الثواب لزوم عقلي بحيث يكون حصول الصلاح الذي هو الثواب متوقفا على حصول المحن والتكاليف مع أنه لا تلازم بينهما إذ المولى قادر على إيصال الثواب للعبد من غير محنة ولا تكليف بدليل أنه في الآخرة يعطى لعباده مراتب ليست في نظير الأعمال، سلمنا أن المحن والتكاليف فيها صلاح وهو الثواب، فنقول ليس هذا لازما في كل العباد ألا ترى أن الكافر المعذب في الدنيا لا صلاح له في تلك المحن لأن مآله للنار. (قوله: من حتم) بالحاء المهملة أي قضى
[برهان الوجود]
(قوله: أما برهان وجوده تعالى الخ) لما انقضى كلامه على عَدِّ الأقسام الثلاثة الواجبات والمستحيلات والجائزات مجردًا عن الأدلة أتبع ذلك بذكر الأدلة لأجل الارتقاء عن التقليد المختلف في إيمان صاحبه إلى المعرفة، وهي الجزم المطابق عن دليل المتفق على إيمان صاحبها، فقال مجيبا لسؤال مقدر تقديره هذه العقائد فما براهينها، أما برهان الخ، وأما حرف تفصيل غالبا وتوكيد دائما، وقد بين ذلك أي إفادتها للتوكيد سيبويه بقوله: لأن معناها في قولك أما زيد فقائم، مهما يكن من شيء فزيد قائم، قال شراح كتابه وشيء