[حاشية الدسوقي]
عام أريد به الخصوص إذ لم يرد أن زيدا يقوم عند كل شيء من تحرك ورقة أو هبوب ريح؛ لأنه يلزم قيامه دائما إذ لا تخلو الدنيا من شيء يقع، وإنما المراد الرد على من يظن أن زيدا يمنعه مانع من قيامه مما يظن أنه مانع، فأكد المتكلم رد ذلك، وقال مهما يكن من شيء تظنه مانعا من قيامه فلا يكون مانعًا فهو قائم لا محالة، ويقدر في كل مقام ما لاق به. اهـ. فيقدر على نمطه هنا مهما يكن من شيء تظنه مانعًا من دلالة الحدوث على وجود الله فلا يكون مانعًا، فالحدوث دليل لا محالة، وهذا فيه وفاء بما قلناه من التوكيد مع دفع وهم الشيء في كلامه، والبرهان مشتق من البره بسكون الراء وهو القطع، تقول برهت العود إذا قطعته، ولا شك أن البرهان يقطع ظهر المخاصم، وحقيقته قول مؤلف من مقدمتين يقينيتين لإنتاج يقين، والمقدمات اليقيقنية هي الأوليات والمشاهدات والمحسوسات والمتواترات والتجربيات، وأما الدليل فهو إما عقلي واما نقلي، فالثاني كالكتاب والسنة والإجماع، وأما العقلي فهو عند المناطقة قول مؤلف من مقدمتين يستلزمان لذاتهما قولا آخر، سواء كانت المقدمتان يقينيتين أو ظنيتين أو إحداهما يقينية والأخرى ظنية، فالدليل المنطقي أعم من البرهان، وأما عند الأصوليين فهو ما احتوى على الموصل للمطلوب لا نفس الموصل، فالعالم مثلا دليل على وجود الله لاحتوائه على جهات، منها ما لا يوصل للمقصود، ومنها ما يوصل، فالاول كطوله وكثافته وبساطته وتركبه وبياضه وسواده، والثاني كحدوثه، فالعالم دليل من حيث احتواؤه على الموصل الذي هو الحدوث، وكذلك النار دليل على الإحراق لأنها احتوت على الجرمية والشفافية والضوء، وليس جهة من هذه الجهات موصلة للإحراق، وإنما الجهة الموصلة له الحرارة إذ بها يعلم الإحراق، فالدليل العقلي مركب عند المناطقة ومفرد عند الأصوليين، إذا علمت هذا فقول المصنف هنا وفيما يأتي أما برهان الخ مراده بالبرهان مطلق الدليل كان عقليا كدليل الوجود والقدم والبقاء وبقية الصفات غير السمع والبصر والكلام ولوازمها أو كان نقليا كدليل هذه الستة الكائن من الكتاب والسنة والإجماع، أو أنه استعمل البرهان في حقيقته بالنسبة لغير هذه الستة، وفي مجازه بالنسبة لها. (واعلم) أن العقائد على ثلاثة اقسام:
القسم الأول: ما يتوقف عليه وجود الفعل الممكن الذي من جملته المعجزة الدالة على صدق الرسل، وذلك كالوجود والقيام بالنفس وما بينهما، وكالقدرة والإرادة والعلم والحياة، فالفعل متوقف على هذه إذ لا يتأتى إلا ممن كان متصفا بهذه الصفات، ولا يصح الاستدلال عليها إلا بالدليل العقلي، إذ لو استدل عليها بالدليل السمعي للزم الدور، بيانه أن السمع متوقف على المعجزة، وهي متوقفة على هذه الصفات، فيكون السمع متوقفًا عليها، ولو ثبتت هذه الصفات بالسمع لتوقفت عليه، فصار كل منهما متوقفا على الآخر، وهذا دورٌ.
والقسم الثاني: من العقائد ما يرجع لوقوع جائز مثل أحوال القيامة من الجنة والنار والصراط والميزان والحشر والنشر والحوض والثواب والعقاب ورؤيتنا لله فهذا لا يستدل على وقوعه إلا بالدليل السمعي، إذ غاية ما يصل إليه العقل الجواز لا الوقوع.
القسم الثالث: من العقائد ما لا تتوقف عليه المعجزة، ولا يرجع لوقوع جائز كالسمع والبصر والكلام ولوازمها، أي كونه سميعا وبصيرا ومتكلما فهذه يصح الاستدلال عليها بالأمرين، والأنجح منهما الدليل السمعي كما يأتي.
وأما الوحدانية ففيها خلاف قيل إنه لا يستدل عليها إلا بالعقل لتوقف المعجزة على الوحدانية؛ إذْ لو انتفت لحصل التمانع، فينتفي الفعل ومن جُمْلَته المعجزة، وقيل: يصح الاستدلال عليها بالسمع كالعقل، قال المصنف في شرح الكبرى: وهو رأي، وإنما برهن على الوجود ولم يقيده بالوجوب بحيث يقول وأما برهان وجوب وجوده لأجل أن يتوصل للتفصيل، فذكر هنا برهان مطلق الوجود المقابل للعدم، ثم برهن على وجوبه ببرهان القدم والبقاء لأنهما عين وجوب وجوده، ولو برهن هنا على وجوب الوجود فإن لم يذكر بعد ذلك برهان القدم والبقاء كان مستغنيا بشيء عن غيره، وقد ذكر أنه لا يستغنى