فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 238

فحدوث العالم

[حاشية الدسوقي]

في هذا الفن بعام ولا بملزوم لخفاء اللوازم وإدراج الجزئيات تحت الكليات، ولو ذكر برهانهما بعد برهان وجوب الوجود كان تكرارًا محضًا.

والحاصل أنه أثبت أولًا وجوده تعالى المنافي لعدمه بهذا البرهان، ثم أثبت وجوبه الذي هو القدم والبقاء ببرهانه، ثم أثبت كونه فاعلا بالاختيار لا بالتعليل ولا بالطبع ببرهان الإرادة، وأثبت كونه ليس من العالم ببرهان مخالفته للحوادث، وأما الدليل على كون صانع العالم المتصف بوجوب الوجود وبالتأثير بالاختيار وبكونه ليس من جملة العالم وبباقي الصفات هو الله تعالى فهو السمع، إذ لا تتوقف دلالة المعجزة على أن الصانع الذي لا شريك له يسمى الله، والعقل لا مدخل له في التسمية، وبيان ذلك إنه إذا ثبت وجود الصانع المنزه عن النقائص الموصوف بالصفات المصححة للفعل؛ وإنه واحد لا شريك له، وجاءت الرسل المؤيدة بالمعجزات المثبتة لصدقهم مخبرين أن ذلك الصانع الواحد الذي لا شريك له اسمه الله كان ذلك دليلا قاطعا على أن ذلك الصانع اسمه الله فلا يعلم ذلك إلا بعد مجيء الرسل، إذ لا مدخل للعقل في التسمية.

(قوله: فحدوث العالم) العالم كل موجود سوى الله تعالى؛ فيدخل فيه الأجرام والأعراض، ولا تدخل صفاته لأنها ليست غيرًا وهذا على القول بنفي الأحوال، وأما على القول بثبوتها فالعالم كل ثابت سوى الله، إذ الثابت أعم من الموجود عندهم، ويسمى ما ذكر عالمًا لأن فيه علامة تميزه عن موجوده، فهو مأخوذ من العلامة أو لأن من نظر فيه يحصل له العلم بوجود المولى سبحانه وتعالى، وبما له من الصفات؛ فيكون مأخوذا من العلم، وأما الحدوث فهو الوجود المسبوق بعدم، وقيل العدم السابق على الحدوث.

إن قلت: جعل الحدوث دليلًا على وجود الله لا يأتي على قول المناطقة من أن الدليل قول مركب من مقدمتين يستلزمان لذاتهما قولا آخر، ولا على قول الأصوليين أن الدليل هو ما احتوى على الموصل للقصود، والمحتوي على الموصل للقصود إنما هو العالم، وأما الحدوث فهو الموصل للمطلوب لأنه جهة دلالته لما علمت أن العالم له جهات توصل للمقصود وجهات لا توصل له، فهو دليل من حيث احتواؤه على الجهة التي توصل؛ فلو قال فالعالم من حيث حدوثه لكان ظاهرًا في ذلك، وأجيب بان المصنف ماش على مذهب الأصوليين غاية الأمر أنه أطلق الدليل على وجهه من حيث إنه المقصود منه؛ فهو مجاز من إطلاق اسم الملزوم على اللازم، وذلك لأن الدليل اسم للعالم أطلقه على لازمه وهو الحدوث، أو أنه ماش على طريقة المناطقة، وقوله فحدوث العالم أي فالمفيد لحدوث العالم، وذلك المفيد هو المقدمة الصغرى القائلة العالم حادث المضمومة للكبري المحذوفة القائلة وكل حادث لابد له من محدث، فالمصنف أشار للصغرى بقوله فحدوث العالم، وحذف الكبرى لعلمها من الدليل المستدل به عليها، وهو قوله بعد: لأنه لو لم يكن له محدث الخ. إن قلت: إن المفيد لحدوث العالم مقدمة واحدة والدليل المنطقي قول مؤلف من مقدمتين كما مر، فكيف يكون المصنف ماشيا على طريقة المناطقة مع إطلاقه الدليل على مقدمة واحدة.

قلت: إطلاقه الدليل على المقدمة الواحدة مجاز من باب إطلاق اسم الكل على الجزء.

(بقي شيء آخر) وهو أنه قد وقع خلاف في جهة احتياج العالم للفاعل، فقيل العالم محتاج للفاعل من جهة حدوثه؛ أي وجوده بعد عدمه، وقيل من جهة إمكانه وتساوى طرفيه فيحتاج لمن يرجح أحدهما على الآخر، وقيل من جهة حدوثه وإمكانه، فكيفية الاستدلال على وجود الصانع على الأول أن تقول العالم حادث وكل حادث لابد له من محدث، وعلى الثاني تقول العالم ممكن وكل ممكن لابد له من صانع يرجح أحد طرفيه، وعلى الثالث تقول العالم حادث ممكن وكل ما هو كذلك لابد له من صانع، إذا علمت هذا فقول المصنف فحدوث العالم يقتضى الجري على طريقة الحدوث، وقوله بعد ذلك لو لم يكن له محدث لزم ترجيح أحد الأمرين المتساويين كالصريح في الإمكان إذ لا معنى للإمكان إلا تساوي الوجود والعدم؛ فيقتضي الجري على طريقة الإمكان لا الحدوث، فمقتضى أول الكلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت