قائمتان بذاته العلية التي يستحيل عليها الجرمية والجارحة ولوازمهما، واجبتا القدم والبقاء متعلقتان بكل موجود قديما كان أو حادثا ذاتا كان أو صفة ظاهرًا كان أو باطنا.
(ص) وقيامه تعالى بنفسه أي لا يفتقر إلى محل ولا مخصص (ش) يعنى أنه مما يجب له تعالى أن يقوم بنفسه أي بذاته، ومعنى قيامه تعالى بنفسه سلب افتقاره لشيء من الأشياء فلا يفتقر تعالى إلى محل أي ذات سوى ذاته يوجد فيها كما توجد الصفة في الموصوف لأن ذلك لا يكون إلا للصفات
[حاشية الدسوقي]
وحيث كان كذلك فقد أخذ نفي مماثلة أوصافه بالمطابقة.
(قوله: قائمتان بذاته العلية) هذا وصف كاشف إذ كل صفة قائمة بموصوفها. (قوله: الجرمية) أي كونها جرما والجرم ما أخذ قدرًا من الفراغ سواء كان له أجزاء كالجسم أو لا كالجوهر الفرد. (قوله: والجارحة) من عطف اللازم على الملزوم. (قوله: ولوازمهما) أي لوازم الجرمية والجارحة كالحدوث والتحيز والجهة وغير ذلك. (قوله: متعلقتان بكل موجود) أي تعلق انكشاف، وظاهره أنهما يتعلقان بأنفسهما لدخولهما تحت كل موجود فيسمع بسمعه سمعه وبصره، ويبصر ببصره سمعه وبصره، فكل منهما كالعلم يتعلق بنفسه وبغيره. واعلم أنهما وإن تعلقا بالموجودات لكن على كيفية مغايرة لكيفية تعلق الآخر بها لا يعلم تلك الحالة إلا الله تعالى، وحينئذ فلا يغني أحدهما عن الآخر، وتعلقهما بالقديم تنجيزي قديم، وبالحادث صلوحي قديم وتنجيزي حادث.
(قوله: ظاهرًا) أي بالنسبة لنا كالسماء الدنيا وما تحتها وقوله، أو باطنا أي خفيا علينا كالذي تحت الأرض لا على الباري لأنه لا يخفى عليه شيء.
(قوله: وقيامه تعالى الخ) ذكر هذه الصفة بعد المخالفة للحوادث من ذكر الخاص بعد العام لاجتماعهما في ذاته؛ وانفراد المخالفة في صفاته، فكل ما ثبت له القيام بالنفس بتفسير المصنف ثبت له المخالفة للحوادث، ولا عكس بدليل صفاته.
(قوله: بنفسه) قال بعضهم الباء للآلة، وسرها إنما يظهر بالنسبة للمقابل أي أن قيامه وعدم افتقاره للمحل والمخصص أمر حصل له من قِبَلِ ذاته لا من قِبَل غيره، فليس غيره آلة لقيامه عز وجل حتى يحتاج في قيامه وعدم افتقاره لذلك الغير، وجوز بعضهم جعلها للسبيية وإضافة نفس للضمير للبيان. (قوله: أي لا يفتقر إلى محل الخ) قيل إنما فسر القيام بالنفس مع أن التفسير من وظيفة الشراح لأن القيام يطلق على انتصاب القامة، وعلى الإحكام أي الإتقان، يقال قام فلان بكذا إذا أتقنه وأحكمه، وعلى الشدة يقال قامت الحرب إذا اشدت، وعلى لزوم الشيء والاعتكاف عليه، وعلى الاستغناء وهو المراد هنا، ففسره المصنف لبيان المراد منه، وقال بعضهم إنما فسره بما ذكر للرد على من فسره بعدم الافتقار للمحل فقط، وهو المتعارف عند بعض المتكلمين، والمصنف فسره بما ذكر تبعًا للأستاذ أبي إسحاق الاسفرايني، وستعرف أن تفسير القيام بالنفس بعدم الافتقار إلى المحل هو المحتاج إليه لعدم استقادته مما تقدم بخلاف عدم الافتقار للمخصص، فإنه مستفاد من وجوب القدم والبقاء.
(قوله: أي بذاته) أي فالمراد بالنفس الذات، وليس المراد بها الروح لأنها محالة على الله تعالى، وفي كلامه إشارة إلى جواز إطلاق النفس عليه تعالى من غير مشاكلة، وهو الحق بدليل قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] خلافًا لمن قال لا يجوز إطلاقها عليه إلا على سبيل المشاكلة كما في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] .
(قوله: سلب افتقاره لشيء من الأشياء) إن قيل هذا التفسير يخالف تفسير المصنف، لأن هذا سلب الافتقار على العموم وما في المتن سلب الافتقار لشيئين فقط المحل والمخصص. قلت: لا يخالفه لأن ما في المتن يستلزم هذا؛ لأن سلب الافتقار إلى المحل والمخصص يستلزم سلب جميع الافتقارات من الافتقار للوالد والولد والصاحبة والمعين والوزير، وإلى ما يُحَصِّلُ الغرص وغير ذلك؛ لأنه لو افتقر لشيء منها لكان ممكنًا، والممكن لا يكون وجوده إلا حادثًا، والحادث يفتقر إلى المخصص وإلى المحل بالنظر لصفته فتأمل.
(قوله: أي ذات سوى ذاته يوجد فيها) إنما فسر المحل بالذات التي يقوم بها فقط، ولم يفسره بذلك وبالمكان الذي يحل فيه مع أنه سبحانه كما أنه لا يفتقر لذات يقوم بها لا يفتقر لمكان؛ لأن عدم افتقاره للمكان عُلم من مخالفته للحوادث.
(قوله: سوى ذاته) هذا نص على المتوهم؛ إذ يتوهم قيام ذاته بغيره من الذوات لا بذاته، إذ لا يعقل قيام ذاته بذاته حتى يتوهم فينفيه. (قوله: يوجد فيها) صفة لقوله"ذات"الواقعة تفسيرًا للمحل، والرابط الضمير المجرور، وضمير"يوجد"راجع لله تعالى.
(قوله: لأن ذلك) أي الافتقار إلى المحل بالمعنى المذكور أعنى الذات التي يوجد فيها