فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 238

لجميع الصفات، وحكمة تقديم التنزيل في الآية وإن كان من باب تقديم السلب على الإثبات وإن كان الأولى في كثير من المواطن العكس أنه لو بدأ بالسمع والبصر لأوهم التشبيه؛ إذ الذي يؤلف في السمع أنه باذن، وفي البصر أنه بحدقة، وأن كلًا منهما إنما يتعلق في الشاهد ببعض الموجودات دون بعض، وعلى صفة مخصوصة من عدم البعد جدا ونحو ذلك، فبدأ في الآية بالتنزيه ليستفاد منه نفي التشبيه له تعالى مطلقًا؛ حتى في السمع والبصر اللذين ذكرا بعدُ، فإن سمعه تعالى وبصره ليسا كسمع الخلائق وبصرهم لأن سمعه تعالى وبصره صفتان

[حاشية الدسوقي]

بإثباتهما على من نفاهما كما نفى غيرهما، فقوله يرد على المعطلة النافين لجميع الصفات أي بالنسبة إلى نفيهما كذا قيل، والأحسن أن يقال إن المراد الرد بإثبات الصفتين على من نفاها كلها، ووجه الرد عليهم أن نفيهم لجميع الصفات سالبة كلية، لأنه في قوة لا شيء من الصفات بثابت لله، وقوله: وهو السميع البصير متضمن لموجبة جزئية وهي السمع والبصر ثابتان لله، والموجبة الجزئية تناقض السالبة الكلية، أي توجب كذبها، فإن قلت ما فائدة وصف المعطلة بقوله النافين لجميع الصفات. قلت: فائدته التنبيه على أن المعطلة صنفان: صنف عطلت الباري عن الصفات أي نفتها عنه وهو المراد هنا، وصنف عطلت المصنوعات عن الصانع وقالوا لا صانع لها وإنما هي أرحامٌ تَدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر، وهذا الصنف ليس بمراد هنا، فالمردود عليه بعجز الآية الصنف الأول لا الثاني.

(قوله: وحكمة تقديم الخ) هذا جواب عما يقال لم قدم في الآية النفي على الإثبات، مع أن الإثبات أشرف من النفي، وحكمة مبتدأ خبره قوله إنه لو بدأ الخ. (قوله: وإن كان من باب الخ) أي والحال أنه من باب الخ. (قوله: وإن كان الأولى الخ) أي الحال أنه كان الأولى في كثير من المواطن العكس؛ أي تقديم الإثبات على السلب لشرفه على النفي، وقضيته أن الكثير من المواضع مضبوط كالقليل، وأن الأولى في ذلك الكثير تقديم الإثبات على النفي لشرفه عليه وليس ذلك بظاهر، لأنه لم يضبط ذلك الكثير حتى يقال الأولى فيه العكس، فالأولى أن يقول: وإن كان الأولى في الآية العكس لوقوعه في أكثر المواضع، ويمكن الجواب بجعل في سبيية داخلة على محذوف أي وإن كان الأولى العكس بسبب وقوعه في كثير من المواضع.

(قوله: لأوهم) أي البدءُ بهما التشبيهَ أي لأوقع في الوهم أي الذهن التشبيه، والأولى أن يقول: الشبه لأن التشبيه فعل الفاعل أي لأوقع في ذهن السامع أن سمع المولى وبصره مشابهان لسمع المخلوقات وبصرهم في كون سمعه بأذن وبصره بحدقة، وأن كلا منهما إنما يتعلق ببعض الموجودات، وذلك لأن المألوف للسامع أن السمع بأذن، والبصر بحدقة وأن السمع والبصر إنما يتعلقان ببعض الموجودات، فإن قلت ما يسبق إلى الوهم يزال بتأخير التنزيه فالأولى حينئذ تقديم الإثبات على النفي ليوافق ما وقع في كثير من المواضع، فالجواب أن في تقديم السلب مَزِيَّةٌ وهي دفعه الإيهام المذكور من أول وهلةً ولا توجد تلك المزية في تأخيره لأن التأخير وإن كان يزيله إلا أنه لا بمنع حصوله أولًا، فقول الشارح لأوهم أي ابتداء على أنه لو بدأ بالسمع والبصر لتسارع الذهن للمألوف فيهما، فإذا ورد التنزيه بعد ذلك أمكن حمله على ما عداهما وحينئذ فلا يزول ما سبق للوهم بتأخير التنزيه، بخلاف ما إذا قرع السمع التنزيه أولًا ثم أتى ببعض الأفراد الداخلة فيه فإنه يحكم عليه بحكم العام، وهذا ظاهر إذا حُمل المثل في الآية على الذات والصفة، أو الصفة فقط، لا إن حمل على الذات فقط. (قوله: أنَّ كلا الخ) عطف على قوله أنه بأذن. (قوله: في الشاهد) أي فيما نشاهده من المخلوقات. (قوله: ببعض الموجودات) وهو الأصوات بالنسبة للسمع، والذوات والألوان بالنسبة للبصر. (قوله: دون بعض) كالذوات والألوان بالنسبة للسمع وكالأصوات بالنسبة للبصر. (قوله: وعلى صفة) أي وأن كلًا منهما إنما يتوقف على صفة مخصوصة، فقوله وعلى صفة معطوف على قوله ببعض الموجودات. (قوله: من عدم البعد) أي من عدم بعد بعض الموجودات الذي تعلق به السمع والبصر عنهما، وهذا بيان للصفة المخصوصة. (قوله: ونحو ذلك) أي كعدم القرب جدًا وكعدم الحائل بين السمع والبصر وبين متعلقهما.

(قوله: نفي التشبيه) الأولى نفي الشبه لأن التشبيه فعل الفاعل. (قوله: مطلقا) أي في الذات والصفات والأفعال، واستفادة ما ذكر من الآية تؤخذ من السلب العام القائل ليس كمثله شيء الشامل بمنطوقه لا باستلزامه للذات والصفات، فلا يدخلها الخلاف في أن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال أولًا؛ لأن أوصاف الحوادث وذواتها منطوق العبارة، فالجميع لا يماثل الله. ومن المعلوم مقابلة الذات بالذات والصفات بالصفات لا العكس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت