فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 238

لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] ، فأول هذه الآية تنزيه، وأخرها إثبات، فصدرها يرد على المجسمة وأضرابهم، وعجزها يرد على المعطلة النافين

[حاشية الدسوقي]

التفسير حقيقيا لا باللازم فلم أسندها للحوادث حيث قال أي لا يماثله شيء منها ولم يسندها للمولى كما أسند إليه المخالفة.

قلت: إنما أسند المماثلة للحوادث لأن الذي ينفى عنه المماثلة بحسب العادة الأدنى دون الأعلى يقال الوزير لا يماثل السلطان ولا يقال السلطان لا يماثل الوزير.

(قوله: لافي الذات الخ) تفسير للإطلاق، أي ليست ذات الحادث مثل ذات الله وليست صفاته كصفات الله وليست أفعاله كأفعال الله. (قوله: ولا في الأفعال) جمع فعل يصح أن يراد به المعنى المصدري وهو تعلق القدرة أي ليس تعلق قدرة الحادث بالمقدور أعنى الحركات والسكنات كتعلق قدرة الله بها؛ لأن تعلق قدرة الله بالمقدور تعلق تأثير، وتعلق قدرة العبد به تعلق مقارنة، ويصح أن يراد به المعنى الحاصل بالمصدر كالحركات والسكنات التي هي مفعوله، أي إن مفعول الحادث ليس كمفعول الله، لأن المفعول لله مفعول له بطريق الإيجاد والمفعول للعبد مفعول له بطريق الكسب والاقتران.

(قوله: قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] الخ) دليل لقوله لا يماثله تعالى شيء منها، والدليل مطابق للمدعى، فلا حاجة لما أطال به بعض الحواشي، والكاف إما زائدة أو اسم بمعنى مثل، والمعنى ليس شيء مثل مثله، فإن قيل إن هذا نفي لمثل المثل لا للمثل فيوهم أن لله مثلا مع أن المدعى نفي المثل فالجواب عن ذلك من وجهين.

الأول: أن هذا من باب الكناية فكنى بنفي مثل المثل عن نفي المثل، إذ يلزم من نفي مثل المثل نفي المثل، إذ لو انتفى مثل المثل وبقي المثل ثابتا لكان الله مثل ذلك المثل، والفرض نفي مثل المثل فيؤدي لنفي المولى مع أنه مُسَلَّم الوجود وحينئذ فالمراد من الآية أنه ليس شيء مماثلا له في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال.

الثاني: أن المثل بمعنى الذات والصفة، فيكون استعمال المثل فيهما من استعمال المشترك في معنييه، إن قلنا إن المثل حقيقه في كل من الذات والصفة أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه إن قلنا إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، والمراد بالصفة ما يشمل صفة الذات وغيرها كصفة الفعل، وحينئذ فالدليل مطابق للدعى فتأمل.

(قوله: هو السميع البصير) اعلم أن السمع قيل إنه أفضل من البصر، وقيل بالعكس والآية تشير إلى أن السمع أفضل من البصر لتقديمه عليه، وحينئذ فالأعمى الذي يسمع خير من البصير الذي لا يسمع، والخيرية والأفضلية بالنظر للنفعة المترتبة على كلٍ.

(قوله: تَنْزِيْهٌ) أي ذو تنزيه أي دال على تنزيه المولى عن مماثلة الحوادث له. (قوله: إثْبَاتٌ) أي ذو إثبات أي دال على ثبوت السمع والبصر له تعالى. (قوله: يرد على المجسمة) أي القائلين بأن الله جسم.

واعلم أن من اعتقد أن الله جسم كالأجسام فهو كافر، ومن اعتقد أنه جسم لا كالأجسام فهو عاص غير كافر، والاعتقاد الحق اعتقاد أن الله ليس بجسم ولا صفة ولا يَعلمُ ذاته إلا هو.

(قوله: وأضرابهم) أي أمثالهم وأراد بأضرابهم الجهوية القائلين إن الله في جهة الفوق، وفي كفرهم قولان: والمعتمد عدم كفرهم، وإنما كانوا من أضراب المجسمة لاستلزام الجهة للجسمية، فهم من قبيل من يصرح بالجسمية، وقال: أضرابهم بالجمع لاختلاف مقالاتهم في ذلك. (قوله: وعجزها يرد على المعطلة) اعلم أن العَجُزَ يرد على المعطلة المذكورة، إن جعلت الآية من باب قصر الموصوف على الصفة قلبا كقولك زيد الكريم وأنت تريد قصره على صفة الكرم لا يتعداها إلى نفيها، والمعنى في الآية عليه: أن المولى يتصف بصفتي السمع والبصر لا يتعداهما إلى الاتصاف بنفيهما، أي فلا يتصف بنفيهما، فلو جعلت الآية من باب قصر الصفة على الموصوف فلا يكون في الآية رد على المعطلة، بل على عبدة الأوثان، والمعنى أن السمع والبصر مقصوران عليه تعالى لا يتعديانه إلى الأوثان، فإن قيل كيف يرد على عبدة الأوثان بالآية مع كونهم لم يقولوا إن الأصنام تسمع وتبصر، فالجواب أن زعمهم ألوهيتها حالةٌ تُؤذنُ بادعائهم الكمال لها، ومنه السمع والبصر؛ فإثباتهم السمع والبصر لها بطريق اللزوم.

(قوله: النافين الخ) أي كالفلاسفة المنكرين لجميع الصفات، إن قلت كيف تكون الآية ردًا على نافي كل الصفات مع أنها إنما أثبتت صفتين. قلت: ليس المراد الرد باثبات صفتين فقط على من نفاها كلها بل المراد الرد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت