الى كُلْفَةٍ أصلًا مما هو ضروري على كل عاقل يريد أن يفوز بمعرفة الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، بل قد قال إمام الحرمين وجماعة إنَّ معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل، فمن لم يعرف معانيها فليس بعاقل. والله الموفق.
(ص) ويجب
[حاشية الدسوقي]
الأقسام الثلاثة وتصور مفاهيمها واجبة على كل مكلف أراد الفوز بمعرفة الله لأن تصور مفاهيم هذه الأقسام الثلاثة من مبادئ علم الكلام، فالشروع فيه يتوقف على تصورها؛ لأن صاحب علم الكلام تارة يثبت هذه الثلاثة وتارة ينفيها، فإذا كان الشارع في هذا الفن غير متصور لها لم يعلم ما أثبت ولا ما نفى، وبهذا تعلم أن قول المصنف اعلم أن الحكم العقلي الخ مقدمة كتاب لأنها ألفاظ قُدمت أمام المقصود لارتباط له بها، وانتفاع بها فيه، لا مقدمة علم.
(قوله: ضروري الخ) اعلم أن الضرورة إن عديت باللام كان معناها اللزوم، وعدم الانفكاك كقولك النطق ضروري للإنسان أي لازم له لا ينفك عنه، وإن عديت بعلى كما هنا كان معناها الوجوب والتأكد، وسيأتي أن تلك المعرفة نفس العقل وحينئذ فلا معنى لقوله إنها واجب على كل مكلف، ولا لقوله يريد الفوز الخ، لأن تلك المعرفة ثابتة لكل عاقل أراد الفوز أم لا، وأجيب بأن المراد بمعرفة الأقسام الواجبة معرفتها من حيث إنها مدلولات للفظ الواجب ولفظ المستحيل ولفظ الجائز وحينئذ صح تعلق الوجوب بها، والتقييد بقوله يريد الفوز الخ والمراد بالمعرفة الآتية التي هي نفس العقل معرفة تلك الأقسام لا من حيث إنها مدلولة لتلك الألفاظ، والمراد بالوجوب التأكد لا الوجوب بمعنى ترتب العقاب على الترك.
(قوله: عاقل) أي متصف بشروط التكليف. (قوله: يريد أن يفوز) أي يظفر (قوله: بل قد قال امام الحرمين وجماعة ان معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل) قيل المراد بالمعرفة في كلامه التي هي نفس العقل المعرفة التصورية، أي تصور مفاهيم تلك الأقسام الثلاثة، والمراد بالعقل أصل العقل لا العقل الكامل؛ وذلك لأن من عنده أصل العقل يعرف أن هناك أمورا لا تقبل العدم ككون الواحد نصف الاثنين، وأمورا لا تقبل الثبوت ككون الجرم ليس بمتحرك ولا ساكن، وأمورا تقبل الثبوت والانتفاء ككون الجرم متحركا فقط، ومن لم يعرف تلك الأمور الثلاثة فليس بعاقل أصلًا، وهذا القيل هو المتبادر من كلام الشارح وارتضاه جماعة من الأشياخ؛ ولا يقال إنه يلزم عليه أن أكثر العوام ليسوا بعقلاء لأنهم لا يعرفون مفاهيم تلك الأقسام؛ لأن المراد بمعرفتها في كلامه معرفتها لا من حيث إنها مدلولات للفظ الواجب ولفظ المستحيل ولفظ الجائز، والمعرفة بهذا المعنى مركوزة في ذهن العوام وإن قصروا عن التعبير عنها بتلك الألفاظ، وعن معرفة كون تلك المقاهيم مدلولات لتلك الألفاظ، وعلى هذا التقرير يتجه الإضراب في قوله"بل قال امام الحرمين الخ"وذلك لأنه لما ذكر أولًا أن معرفة تلك الأقسام الثلاثة وتصور مفاهيمها مما هو ضروري على كل عاقل يفهم منه أن تلك المعرفة ليست نفس العقل، فأضرب عن ذلك ونقل عن إمام الحرمين أنها نفس العقل، وقيل إن المراد بالمعرفة المعرفة التصديقية وأن المراد بقول إمام الحرمين ان معرفة تلك الأقسام الثلاثة هي نفس العقل أن التصديق ببعض الضروري من تلك الأقسام الثلاثة هو نفس العقل لا أنه تصور مفاهيم تلك الأقسام الثلاثة ولا التصديق بالنظري منها ولا بكل الضروريات منها، بل هو التصديق ببعض الضروري منها كالتصديق بوجوب افتقار الأثر إلى مؤثر، وكالتصديق بامتناع اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين، وبأنه لا واسطة بين النفي والإثبات، وبأن الموجود لا يخرج عن كونه قديما أو حادثا، وكالتصديق بجواز تحرك الجرم تارة وسكونه أخرى، وبأن النار محرقة وأن الشمس تطلق كل يوم من المشرق ونحو ذلك.
والحاصل أن العقل عند إمام الحرمين على هذا القول بعض علوم ضرورية وهو التصديق ببعض الضروريات من الواجب والجائز والمستحيل، واستدل لذلك بدليل السير المذكور في المطولات، ولكن الحق أن العقل نور روحاني تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية وليس من قبيل العلوم.
(قوله: فمن لم يعرف معانيها) أي فمن لم يتصور مفاهيمها (قوله: فليس بعاقل) أي بل هو مجنون، وليس المراد فليس بعاقل عقلا تاما لما سبق.
(قوله: ويجب) الواو للاستئناف لا للعطف على جملة اعلم إذ الأولى إنشائية والثانية خبرية ولا يصح عطف الخبر على الإنشاء