فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 238

على كل مكلف شرعا أن يعرف ما يجب في حق مولانا جل وعز وما يستحيل وما يجوز، وكذا يجب عليه أن يعرف مثل ذلك

[حاشية الدسوقي]

كعكسه، وعبر بالمضارع الدال على الاستمرار التجددي دون الماضي إشارة إلى أن هذا الوجوب يتجدد بتجدد أفراد المكلفين.

واعلم أن المضارع يدل بالوضع على الحدوث بعد عدم، وبالقرينة كالعدول عن الماضي على الاستمرار التجددي، والمراد بالوجوب هنا الوجوب الشرعي كما سيقول المصنف. (قوله: على كل مكلف) إنما أتى بكل للدلالة على أن المعرفة واجبة على كل مكلف ولو بالدليل الجملي؛ إذ"كل"للعموم والاستغراق، ومن المستحيل عادة أن يقدر كل أحد على الدليل التفصلي، ودخل في كل مكلف الإنس والجن وكذا الملائكة إن قلنا إنهم مكلفون بالإيمان، وقيل إنهم غير مكلفين به لأنه ضروري لهم، أي جبلي فيهم فتكليفهم به من باب طلب تحصيل الحاصل وهو عبث، وعلى هذا القول فلا يدخلون في قوله: كل مكلف، وعُلِمَ من هذا أن المعرفة ولو بالدليل الجملي وهو المعجوز عن تقريره ورد شبهه فرض عينٍ، وأما المعرفة بخصوص الدليل التفصيلي وهو المقدور على تقريره ورد الشبه عنه فهو فرض كفاية.

(قوله: شرعا) منصوب إما على الحالية أي حالة كون ذلك الوجوب شرعيا لا عقليا، وإما على التمييز أي من جهة الشرع لا من جهة العقل وإما على أنه مفعول مطلق أي وجوب شرع فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه، وإما باسقاط الخافض أي بالشرع، والمراد بالشرع هنا بعثة أحد من الرسل لا الأحكام الشرعية، لأنه يصير المعنى عليه ويجب على كل مكلف بالأحكام، ومن جملة الأحكام الوجوب على كل مكلف، ولامعنى له، والقصد بقوله شرعا الرد على المعتزلة حيث قالوا إن وجوب المعرفة على كل مكلف بالعقل، وقضية التقييد بشرعًا أن هذا القيد خاص بوجوب المعرفة وأن خلاف المعتزلة فيه فقط مع أن جميع الأحكام لم تثبت عند أهل السنة إلا بالشرع، ولم تُستفد إلا منه، فلا حكم لله في شيء قبل الشرع عندهم، والحسن عندهم ما حسنه والشرع والقبيح ما قبحه الشرع، وخالفت المعتزلة في ذلك فقالوا إن الأحكام كلها مستفادة بالعقل وثابتة به، والشرع مؤكد للعقل وذلك لأنهم يقولون الحسن والقبح عقليان، فالحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، فما أدرك العقل حسنه فهو إما واجب أو مندوب، وما أدرك قبحه فهو إما حرام أو مكروه، وإذا علمت أن الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في جميع الأحكام لا في خصوص المعرفة فكان الأولى للمصنف حذف هذا القيد وهو قوله شرعًا، ولذلك أسقطه في الكبرى.

(قوله: أن يعرف) أي أن يعتقد اعتقادا جازما مطابقا للواقع عن دليل. (قوله: ما يجب) ما من صيغ العموم والمراد المعرفة بحسب الطاقة البشرية فما قام عليه الدليل وجب علينا معرفته تفصيلًا، وما لم يقم عليه دليل وجبت معرفته إجمالا، فاندفع ما يقال إن ما يجب لمولانا من الكمالات أي الصفات الوجودية لا يتناهى، ويستحيل عليه أضدادها وما لا يتناهى لا تتأتى معرفته لأن معرفته الشيء بعينه تقتضي تناهيه؛ وبهذا سقط قول بعضهم لابد في الكلام من حذف مضاف تقديره بعض ما يجب وبعض ما يستحيل وبعض ما يجوز، والمراد بالوجوب هنا الوجوب العقلي وهو عدم قبول الانتفاء، وبين قوله"يجب"مع قوله أولًا"ويجب"الجناس التام. (قوله: في حق مولأنا) أي لذاتٍ هي مولانا، فحق بمعنى الذات، وفي بمعنى اللام، والإضافة للبيان، وقيل إن المراد بالحق ما يجب له من الكمالات فالظرفيه من ظرفية الخاص في العام، وقيل إن حق مقحمة، وفي بمعنى اللام، ويرشدنا لذلك قوله المصنف فيما يأتي فمما يجب لمولانا ولم يقل فمما يجب في حق مولانا.

(قوله: وما يستحيل وما يجوز) أي ما يستحيل في حق مولانا وما يجوز في حق مولانا، فحذف متعلقهما للعلم به مما قبله، هذا على القول بعدم صحة التنازع في المتوسط، وأما عليه فيكون قوله في حق مولانا تنازعه ما قبله وما بعده.

(قوله: وكذا يجب عليه أن يعرف الخ) أي ويجب عليه أن يعرف مثل ذلك في حق الرسل وجوبًا كالوجوب السابق في كونه بالشرع لا بالعقل (قوله: مثل ذلك) أي مثل المذكور من الواجب والمستحيل والجائز في حقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت