في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام) (ش) يعنى أنه يجب شرعا على كل مكلف وهو البالغ العاقل أن يعرف ما ذكر لأنه بمعرفة ذلك يكون مؤمنا محققا لإيمانه
[حاشية الدسوقي]
تعالى إلا أن الواجب في حق الله تعالى الغالب فيه وهو ما عدا السمع والبصر والكلام ولوازمها دليله عقلي، والنادر فيه وهو السمع والبصر والكلام ولوزامها دليله شرعي، والواجب في حق الرسل الغالب فيه وهو ما عدا الصدق دليله شرعي، والنادر فيه وهو الصدق دليله قيل عقلي وقيل وضعي وقيل عادي، وهو المعتمد لما ياتي من أن دلالة المعجزة على صدق الرسل المعتمد أنها عادية، وقيل إنها عقلية وقيل إنها وضعية، وأقحم لفظ مثل لأنه لو أسقطها لتوهم أن عين الواجب والمستحيل والجائز في حق الله هي عين الواجب والجائز والمستحيل في حق الرسل مع أنها غيرها.
(قوله: في حق الرسل) يقال هنا في حق ما تقدم، وسكت عن الأنبياء مراعاة للقول بترادفهما أو نظرًا لجميع الأحكام الآتية، فإنها خاصة بالرسل، والقول بأنه سكت عنهم مراعاة لكون الرسل أخص ومعرفة الأخص تستلزم معرفة الأعم سهوٌ، لأنه بعد تسليم الاستلزام على الإطلاق لا يفيد أنَّ ما ثبت للأخص يثبت للأعم والكلام فيه، ألا ترى أن الرسل يثبت لهم بالشرع التبليغ الذي أوحى اليهم، ولم يثبت ذلك للأنبياء.
(قوله: يجب شرعًا) فيه إشارة إلى أن قول المتن شرعًا من متعلقات قوله"يجب"لا قوله"مكلف".
(قوله: هو البالغ العاقل) هذا ظاهر في النوع الإنساني دون الجن والملائكة لأن الجن مكلفون بالإجماع من أصل الخلقة، وأولهم على المشهور إبليس، وهو مكلف بسماع كلام الله تعالى، ومن بعده إما بسماع كلام الله تعالى أو بخلق علم ضروري فيه أو بوصول دعوة رسول الإنس إليه، وأما الملائكة ففي تكليفهم خلاف مشهور فعلى القول بتكليفهم فهم مكلفون من أصل الخلقة بسماع كلام من الله أو بخلق علم ضروري فيهم أو بإرسال بعضهم إلى بعض، وتوقف التكليف على إرسال الرسل إنما هو بالنسبة لتكليف الإنس، فقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] عام مخصوص، وظهر من هذا أن المراد بالشرع في قول الأصوليين لا حكم قبل الشرع بلوغ الدعوة بأحد الطرق المذكورة، كذا ذكره العلامة يس.
ولم يزد الشرح شرط بلوغ الدعوة مع أنه شرط في التكليف لابد منه نظرا إلى أن دعوته عليه الصلاة والسلام عمت كل أحد حتى من كان وراء السد أو إنه مشى على قول من يرى أن الدعوة لا تشترط في التكليف بالعقائد بعد أولِ رسولٍ؛ لأن العقائد مجمع عليها بين الرسل، ومن هذا يعلم أنه لا يصح القول بنجاة أحد من الجاهلية الذين لا معرفة عندهم بالعقائد لكونه من أهل الفترة، وإنما تنفع الفترة في عدم الأحكام الفرعية.
وحاصل ما في المسألة أنه وقع خلاف هل يكفي في التكليف بالعقائد بلوغ دعوة أي نبي كان أو لابد من بلوغ دعوة نبي زمانه، قولان:
فقيل بالأول نظرًا إلى أنه لا فترة في العقائد بخلاف الفروع، وقيل بالثاني نظرا إلى أن فيها الفترة كالفروع.
وسكت المصنف أيضا عن شرط أهلية النظر مع أن المعرفة إنما تجب على البالغ العاقل المتأهل للنظر نظرًا إلى أن كل أحد فيه أهلية للنظر؛ لأن الواجب هو الدليل الجملي وهو متيسر لكل أحد.
(قوله: ما ذكر) أي من الواجب والمستحيل والجائز في حق الله تعالى وفي حق الرسل. (قوله: لأنه) أي المكلف. (وقوله: بمعرفة ذلك) أي بمعرفة ما ذكر من الواجب والمستحيل والجائز في حق الله تعالى وفي حق رسله، والجار والمجرور متعلق بما بعده، وهو قوله يكون مؤمنا، والمعنى لأن المكلف يكون مؤمنا محققا لإيمانه بمعرفة ذلك.
واعلم أن الإيمان قيل هو المعرفة أي الاعتقاد الجازم الناشئ عن دليل بأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله وأن ما جاء به حق، وقيل إنه حديث النفس التابع للمعرفة، وهذا هو التحقيق والمراد بحديث النفس قولها آمنت بسيدنا محمد ورضيت بما جاء به، الواقع ذلك منها بعد المعرفة إذا علمت ذلك.
فاعلم أنه إن حملنا الإيمان في كلام الشارح على المعرفة كانت الباء في قوله بمعرفة ذلك للتصوير أو للسببية، والمعنى لأن المكلف يكون مؤمنا محققا لإيمانه المصور بمعرفة ذلك أو بسبب معرفته ذلك، فالمعرفة سبب في كونه مؤمنًا لا للإيمان حتى يشكل بأنه يلزم اتحاد السبب والمسبب، فهو على نمط أن بالقدرة يكون قادرا، وإن حملنا الإيمان في كلامه