على بصيرة في دينه، وإنما قال يعرف ولم يقل يجزم إشارة إلى أن المطلوب في عقائد الإيمان المعرفة وهي الجزم المطابق عن دليل ولا يكفي فيها التقليد وهو الجزم المطابق
[حاشية الدسوقي]
على حديث النفس التابع للمعرفة كانت الباء ظاهرة في أنها للسببية، والمعنى لأن المكلف يكون مؤمنا أي محدثا لنفسه بما عرفه بسبب معرفته، فالمعرفة سبب في الإيمان أي سبب عادي، لأن الشأن أن من عرف شيئا وجزم به يحدث به نفسه، لا عقلي إذ لا يلزم من المعرفة الإيمان أي حديث النفس، ألا ترى أن الكفار الذين كانوا في زمنه عليه الصلاة والسلام كانوا يعرفونه صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ويعتقدون اعتقادًا جازمًا أنه رسول الله، ومع ذلك لم يحصل منهم إيمان بالمعنى المذكور أي حديث النفس وقولها رضيت بما جاء به لما عندهم من العناد والأنفة، وتفسير الإيمان بحديث النفس التابع للمعرفة تفسير للإيمان الكامل إن قلنا إن المقلد مؤمن وعليه فيكون أصل الإيمان حديث النفس التابع للاعتقاد، وتفسير لأصله إن قلنا إن المقلد غير مؤمن فتدبر.
(قوله: على بصيرة في دينه) البصيرة في الأصل معرفة الحق بالدليل، والمراد منها هنا مجرد المعرفة وهو حال من قوله مؤمنًا؛ أي حالة كونه كائنا على معرفة أي متلبسا بالمعرفة في دينه.
وحاصله أن المكلف يكون مؤمنا محققا لإيمانه ومتلبسا بالمعرفة في دينه أي لأصل دينه بسبب معرفته لما ذكر من الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى وفي حق رسله.
(قوله: إشارة إلى أن المطلوب في عقائد الإيمان المعرفة ولا يكفي فيها التقليد) بيان أخذ ذلك منه أنه لما حكم على معرفة عقائد الإيمان بالوجوب عُلم أن ما عدا المعرفة من التقليد في العقائد وأحرى الظن والشك والوهم لا يكفي في الخروج من عهدة الطلب ويكون الشخص بذلك آثمًا.
(قوله: الجزم) خرج عنه الشك والظن والوهم (قوله: المطابق) أي المطابق متعلقه وهو النسبة المعتقدة إذ المطابقة إنما تعتبر بين النسبة المعتقدة وبين النسبة التي في نفس الأمر وهو علم الله، وقيل اللوح المحفوظ، وخرج بهذا الجهل المركب كاعتقاد الفلسفي قدم العالم فإن نسبته المعتقدة غير مطابقة لما في الواقع. (قوله: عن دليل) أي الناشئ ذلك الجزم عن دليل أي أوْ ضرورةٍ كالجزم بأن الواحد نصف الاثنين، وكالجزم بأن هذا جدار أو حجر الناشئ ذلك ممن وقع بصره عليه من غير قصد، ففي كلام الشارح حذف أو مع ما عطفت، أو يراد بالدليل مطلق السبب والمرشد فيتناول الضرورة والبرهان ووقع البصر، وإلا لزم أن يكون الحد الأول غير جامع والحد الثاني وهو حد التقليد غير مانع كذا قيل، ولا حاجة لهذا لأن ما ذكر من التعريف إنما هو تعريف للمعرفة المطلوبة في هذا المقام؛ وهي معرفة الواجب والجائز والمستحيل في حق الله وفي حق رسله، وهي لا تحصل إلا عن دليل، وليس شيء منها ضروريا وهذا لا ينافي أن المعرفة مرادفة للعلم، وأن منها ما يكون ناشئا عن دليل، ومنها ما يكون عن ضرورة، لكن المعرف ليس مطلق المعرفة بل معرفة مخصوصة كما علمت.
(قوله: ولا يكفي فيها التقليد) أي ولا يكون التقليد في عقائد الإيمان كافيا في الخروج من الإثم بحيث إن المقلد فيها لا يعاقب، وجزمه هنا بأن التقليد في العقائد غيرُ كافٍ في الخروج عن الإثم لا ينافي ما سيذكره من الخلاف، لأن عدم الاكتفاء في الخروج عن الإثم أعم من كونه مؤمنا عاصيا أو غير مؤمن لأن الإثم هنا صادق بأن يكون كفرا أو غير كفر.
وحاصل ما ذكره من الخلاف أقوالٌ ثلاثةٌ:
قيل: إن المعرفة في العقائد واجبة على كل أحد وجوب الفروع سواء كان فيه أهلية للنظر أم لا، فإن قلد فيها كان مؤمنا عاصيا.
وقيل: إن محل وجوبها وجوب الفروع إن كان فيه أهلية للنظر، وإلا فلا تجب؛ وعلى هذا فالمقلد إن كان فيه أهلية للنظر يكون مؤمنا عاصيا وإن لم يكن فيه أهلية كان مؤمنا غير عاصٍ.
وقيل: إن المعرفة في العقائد واجبة وجوب الأصول، وحينئذ فالمقلد كافر، لأنه متى قيل هذا الشيء واجب وجوب الأصول فمعناه أن من ترك ذلك يكون كافرًا، والمصنف اعتمد القول الأخير في الكبرى، ولكنه غير مسلم، والحق القول الثاني وهو القول بوجوب المعرفة وجوب الفروع إن كان فيه أهلية، وأما القول الأول المفيد أن المقلد عاص مطلقا فهو مبني على القول بجواز التكليف بما لا يطاق، أو أنه مبني على أن كل مكلف فيه أهلية للدليل الجملى.
(قوله: لا يكفى فيها) أي