اذ لو جاز أن يلحقه العدم تعالى عن ذلك علوا كبيرا لكان وجوده جائزا لا واجبا لصدق حقيقة الجائز حينئذ على ذاته سبحانه وتعالى، لأن الجائز ما يصح وجوده وعدمه، وهذا التقدير الفاسد يستلزم صحة الوجود والعدم للذات العلية تبارك وتعالى، فيكون جائز الوجود، وذلك يستلزم حدوثه تعالى عن ذلك سبحانه، لما عرفت من استحالة ترجيح الوجود الجائز على عدم مقابله المساوي له في القبول من غير فاعلٍ مُرجحٍ؛ كيف وقد سبق قريبا بالبرهان القاطع وجوب قدمه جل وعلا، فإذن يجب بقاؤه كما وجب قدمه.
(ص) وأما برهان وجوب مخالفته تعالى للحوادث فلأنه لو ماثل شيئا منها لكان حادثا مثلها، وذلك محال لما عرفت قبل من وجوب قدمه تعالى وبقائه.
(ش) لا شك أن كل مثلين لابد أن يجب لأحدهما ما يجب للآخر ويستحيل عليه ما استحال عليه، ويجوز له ما جاز عليه وقد عرفت بالبرهان القاطع أن كل ما سوى الله تعالى يجب له الحدوث فلو ماثل تعالى شيئا مما سواه لوجب له جل وعلا من الحدوث تعالى عن ذلك ما وجب لذلك الشيء، وذلك باطل لما عرفت بالبرهان القاطع من وجوب قدمه تعالى وبقائه سبحانه،
[حاشية الدسوقي]
أنه مجاز عن الدليل الذي يكون ظنيا. (قوله: إذ لو جاز الخ) علة لما ذكره من استلزام وجوب القدم لوجوب البقاء. (قوله: لصدق حقيقة الجائز) المراد بحقيقته مفهومه وهو ما صح وجوده وعدمه، وليس المراد بالحقيقة ما بها الشيء هو، أعني الجنس والفصل وإلا لاقتضى تركب المولى وهو محال. (قوله: حينئذ) أي حين إذ جاز لحوق العدم. (قوله: لأن الجائز الخ) أي وإنما صدق مفهوم الجائز على ذاته تعالى حيث جاز لحوق العدم لها لأن الجائز أي مفهومه ما يصح الخ. (قوله: وهذا التقدير) أي تقدير إمكان لحوق العدم. (وقوله: الفاسد) أي الفاسد متعلقه وهو إمكان لحوق العدم، فالمتصف بالفساد متعلق التقدير لا نفس التقدير الذي هو فعل الفاعل. (قوله: وذلك يستلزم حدوثه) الإشارة راجعة لوجوده الجائز، أي وجوده الجائز يستلزم حدوثه، وليست راجعة لجواز وجوده إذ لا يلزم من جواز الشيء حدوثه. (قوله: لما عرفت) أي في برهان الوجود، وهذا علة لقوله يستلزم حدوثه أي وإنما كان وجوده الجائز مستلزما لحدوثه لما عرفت من استحالة الخ أي وإذا استحال الترجيح بدون مرجح فما كان وجوده جائزا لابد أن يكون حادثا له محدث.
(قوله: مقابله) صفة لعدم. (قوله: في القبول) دفع به ما تمسك به بعضهم من أن العدم أرجح لسبقه. (قوله: من غير فاعل) متعلق بترجيح. (قوله: كيف وقد سبق) أي كيف يصح أن يكون حادثا والحال أنه قد سبق الخ. (قوله: فإذن) أي فإذا كان يجب قدمه فيجب بقاؤه. (وقوله: كما وجب قدمه) الأولى حذفه.
(قوله: فلأنه لو ماثل شيئا منها لكان حادثا مثلها) هذا إشارة إلى قياس استثنائي ذكر شرطيته وطوى الاستثنائية وأقام مقامها قوله وذلك محال، والأصل: لكنه ليس بحادث فلا يماثل شيئًا منها. (وقوله: لما عرفت) دليل للاستثنائية، ويحتمل أن يكون قوله فلأنه لو ماثل الخ إشارة إلى قياس اقتراني مركب من شرطية وحملية، وهي قوله وذلك محال والإشارة إلى كونه حادثًا، ونظمه هكذا: لو ماثل شيئا منها لكان حادثًا، وكونه حادثا محال، ينتج مماثلته لشيء منها محال، وعلى هذا فليس كل ما بعد القدم من البراهين المذكورة في المتن إشارة إلى قياس استثنائى كما ادعاه بعضهم. (قوله: لو ماثل شيئا منها) أي بأن كان من جنس الأجرام أو الأعراض أو كان متصفا بلوازمهما كالحلول في جهة للجرم وكالتقيد بمكان أو زمان وكاتصاف ذاته بالصغر أو الكبر. (قوله: لكان حادثا مثلها) أي لِمَا عُلِمَ من وجوب استواء المثلين في كل ما يجب ويجوز ويستحيل، ومن جملة ما يجب للحوادث الحدوث.
إن قلت: اللازم على مماثلته للحوادث أحد أمرين: إما قدم الحادث أو حدوث القديم؛ لأن التماثل يقتضي التساوي في الأحكام فكيف يجعل المصنف الحدوث للقديم هو اللازم على الخصوص.
وحاصل الجواب: ان قول المصنف"لو ماثل شيئا منها"مطلقٌ أريد به المماثلة في الجرمية والعرضية ولوازمهما، ولا شك أن المماثلة بهذا المعنى تستلزم الحدوث على الخصوص، وبَيَّنَ هذا المراد قوله سابقا والمماثلة للحوادث بان يكون جرمًا الخ. فإن قلت: لزوم الحدوث فيما عدا كونه متصفا بالأعراض ظاهر، وأما لزومه لا على تقدير اتصافه بها بأن كان فعله أو حكمه لأجلها فما وجهه؟
قلت: وجهه أن ذلك الغرض إن كان عائدًا عليه تعالى ليتكمل به لزم اتصافه بالحوادث إذ لا يوجد الغرض إلا بعد الفعل، وإن كان عائدًا على عباده لزم افتقاره لواسطة في إيصال الغرض لعباده، وكل من الاتصاف بالحوادث والافتقار أمارة الحدوث.
(قوله: لما عرفتَ قبلُ من وجوب قدمه تعالى وبقائه) اعترض بأنه لا حاجة لقوله وبقائه، لأن وجوب القدم هو المبطل للحدوث، وأما وجوب البقاء بمجرده لا يدل عليه، وإنما يدل عليه بواسطة استلزامه لوجود القدم. وأجيب: بأن المصنف لاحظ أن استحالة الحدوث إنما هو لكونه واجب الوجود، ووجوب الوجود يستلزم وجوب القدم والبقاء، فلما لاحظ ما قلناه جمع بينهما، وإلا كان يقتصر على وجوب القدم. (قوله: لا شك الخ) هذا بيان للملازمة بين المقدم والتالي في شرطية هذا القياس، وهي قوله لو ماثلَ شيئًا منها لكان حادثًا. (قوله: قد عرفت بالبرهان القاطع) النعت للكشف لأن البرهان لا