ما سولت له نفسه الحمقاء ودعاه إليه وهمه المختل، ولقد خذل بعض الناس فتراه يشرف كلام الفلاسفة الملعونين ويشرف الكتب التي تعرضت لنقل كثير من حماقاتهم، تمكن في نفسه الأمارة بالسوء من حب الرياسة وحب الإغراب على الناس بما ينبهم على كثير منهم من عبارات واصطلاحات يوهمهم أن تحتها علوما دقيقة نفيسة وليس تحتها إلا التخليط والهوس والكفر الذي لا يرضى أن يقوله عاقل، وربما يؤثر بعض الحمقى هوسهم على الاشتغال بما يعنيه من التفقه في أصول الدين وفروعه على طريق السلف الصالح والعمل بذلك، ويرى هذا الخبيث لانطماس بصيرته وطرده عن باب فضل الله تعالى إلى باب غضبه أن المشتغلين بالتفقه في دين الله تعالى العظيم الفوائد دنيا وأخرى بلداء الطبع ناقصو الذكاء فما أجهل هذا الخبيث وأقبح سريرته وأعمى قلبه؛ حتى رأى الظلمة نورا والنور ظلمة، {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 41] نسأله سبحانه أن يعاملنا ويعامل جميع أحبتنا إلى الممات بمحض فضله وأن يلطف بجميع المؤمنين ويقيهم في هذا الزمان الصعب موارد الفتن بجوده وكرمه بجاه أشرف الخلق سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم.
(ص) فمما يجب لمولانا جل وعز
[حاشية الدسوقي]
عن عدم عمله بها. (قوله: ما سولت له نفسه) أي ما زينت له نفسه الحمقاء أي السالكة غير طريق الصواب من كون الأفلاك ليست مخلوفة لله باختياره، ومن كون السبب العادي مُؤثرا فيما قارنه، ومن إدراك العقل للأحكام الشرعية وعدم الاحتياج للرسل.
(قوله: وهمه) أي قوته الواهمة. (قوله: من حماقاتهم) أي من عقائدهم الفاسدة، وأطلق عليها حماقات لأنها لا تنشأ إلا عن حمق وارتكاب للطريق التي لا تؤدي للصواب.
(قوله: من عبارات) أي كالعبارات التي ذكرناها من أن القديم فسمان والحادث فسمان، وإنما ذكرناها فيما سبق لأجل فهم المقام لا لحبها وحب الإغراب بها.
(قوله: واصطلاحات) عطف مرادف لأن المراد بها نفس العبارات. (قوله: والكفر) أي من حيث بعض الأمور كقولهم الأفلاك قديمة بالزمان صادرة بدون اختيار المولى. (قوله: وربما يؤثر) أي يقدم (قوله: هوسهم) أي الاشتغال بهوسهم أي بهوس الفلاسفة أي بكلامهم الفاسد الذي شأنه لا يصدر إلا عمن به الهوس وهو نوع من الجنون. (قوله: من التفقه) أي التفهم. (قوله: على طريق السلف الخ) أي من ذكر دليل على العقيدة واضح خال عن الشبه وعن كلام الفلاسفة، والجار والمجرور متعلق بالاشتغال. (قوله: والعمل بذلك) أي بما يعنيه وهو عطف على الاشتغال. (قوله: لانطماس بصيرته) أي عينه التي في قلبه. (قوله: حتى راى الظلمة) المراد بها علم الفلسفة. (قوله: النور) وهو التفقه في الدين، وقد جرت عادة الله بمصر أن البهجة والظهور إنما يكون لمن يتعاطى علم الشريعة المطهرة، وأما من يتعاطى علوم الفلسفة فلا بهجة له ولا يقرأ في الأزهر.
(قوله: من يرد الله فتنته الخ) فيه إشارة إلى أن ذلك الخبيثَ شَبيهٌ بالكفار الذين نزلت في حقهم هذه الآية. (قوله: موارد الفتن) أي طرق الضلالات كعلم الفلسفة فإنه طريق للضلالات، فالموارد جمع مورد بمعنى الطريق، والفتن جمع فتنة بمعنى الضلالة.
(قوله: بجوده وكرمه) أي حالة كون ذلك اللطف والإيقاء مما ذكر ملتبسا بجوده من التباس الجزئي بالكلي، وعطف الكرم على الجود مرادف. (قوله: بجاه) أي حالة كوننا متوسلين في قبول دعائنا المذكور بجاه أي بمرتبة سيد الخلق عنده تعالى.
(قوله: فمما يجب لمولانا) الفاء واقعة في جواب شرط مقدرٍ، تقديره إذا سألت عما يجب لمولانا فنقول لك مما يجب له الخ، وقوله مما يجب خبر مقدم وقوله عشرون صفة مبتدأ مؤخر أي فنقول لك عشرون صفة بعض ما يجب له أي بعض الذي وجب علينا معرفته، ويحتمل أن عشرون مبتدأ خبره محذوف وقوله مما يجب حال أي فنقول لك عشرون صفة يجب على المكلف معرفتها تفصيلا حالة كون العشرين بعض الواجب لمولانا الذي وجبت علينا معرفته، لأن الواجب لمولانا الذي لا يقبل الانتفاء لا نهاية له، لكن بعضه نصب لنا دليلًا على خصوصه فوجب علينا معرفته تفصيلا وهو العشرون صفة، وبعضه لم ينصب لنا عليه دليلًا وهو ما عدا العشرين فوجب علنا معرفته تفصيلا وهو العشرون صفة، وبعضه لم ينصب لنا عليه دليلا وهو ما عدا العشرين فوجب علينا معرفته إجمالا لا تفصيلا لعدم ما يدل على تعيينه، فَعُلم أن الواجب لله تعالى الذي لا يقبل الانتفاء أمر كلي تحته قسمان، أحد القسمين العشرون، وبهذا تعلم أن قول المصنف فمما يجب لمولانا الخ لا ينافي قوله أولًا"ويجب على كل مكلف أن يعرف ما يجب لمولانا"لأن العشرين بعض الواجب لمولانا الذي يجب علينا معرفته لا أنها عينه، وعلى الاحتمال الثاني فقوله فمما يجب لمولانا المراد بالوجوب عدم قبول الانتفاء أي فمن الأمور الواجبة له تعالى التي لا يقبل ثبوتها الانتفاء التي يجب علينا معرفتها، وظهر لك مما قلنا إن عشرون صفة ليس فاعلًا لـ"يجب"لئلا يلزم خلو جملة