بنقل الغث والسمين عن مذهب بعض أهل السنة مما يخالف ما ذكرناه لك، فشدَّ يدك على ما ذكرناه وهو الحق الذي لا شك فيه، ولا يصح غيره، واقطع تشوفك إلى سماع الباطل تعش سعيدًا وتمت إن شاء الله تعالى طيبا رشيدا والله المستعان.
(ص) وأما برهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة والإرادة والعلم والحياة فلأنه لو انتفى شيء منها لما وجد شيء من الحوادث (ش) قد تقدم لك أن تأثير القدرة الأزلية موقوف على إرادته تعالى ذلك الأثر، وإرادته تعالى ذلك الأثر موقوفة على العلم به، والاتصاف بالقدرة والإرادة والعلم موقوف على الاتصاف بالحياة
[حاشية الدسوقي]
قول إمام الحرمين في آخر أمره بتأثير قدرة العبد في ذات الفعل، لكن على وفق مشيثة الرب وإرادته.
وهذه الاقوال غير صحيحة لمخالفتها لإجماع السلف الصالح. فإن قلت: كيف يصح من هؤلاء الأئمة مخالفة الإجماع، قلت قال في شرح الكبرى: ولا يصح نسبتها لهم، بل هي مكذوبة عنهم، ولئن صحت فإنما قالوها في مناظرة مع المعتزلة جر إليها الجدل.
(قوله: بنقل الغث) أي الرديء. والسمين أي الجيد.
(قوله: وأما برهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة الخ) هذا شروع منه رحمه الله في وجوب اتصافه تعالى بالصفات الثبوتية، واعلم أن الصفات الثبوتية باعتبار توقف الفعل عليها وعدم توقفه قسمان:
قسم يتوقف عليه الفعل عقلًا، وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة، وقسم لا يتوقف عليه الفعل عقلًا، وهي السمع والبصر والكلام، وقد استدل المصنف على ثبوت كل قسم ببرهان، فاستدل على ثبوت القسم الأول بهذا البرهان، ثم إن وجوب اتصافه تعالى بهذه الصفات يتضمن ثلاثة مطالب، وجوب وجودها، ووجوب كون تلك الصفات ثابتة للذات أزلًا، إذ اتصاف الشيء بالشيء فرع ثبوته له، ونفي كل ما يؤدي لحدوث تلك الصفات، كنفي عموم تعلقها، فإن قلت لا نسلم أن وجوب اتصاف الموصوف بصفة يستلزم وجوب تلك الصفة لجواز أن تكون الصفة ممكنة، والاتصاف بها واجبٌ، ألا ترى أن الجرم إذا لم يكن ساكنًا في زمان ما كان اتصافه بالحركة واجبًا، والحركة في نفسها ممكنة.
قلت: هذا ممنوع، بل الصفة متى كانت ممكنة كان الاتصاف بها ممكنًا، فعلى تقدير إذا انتفت انتفى الاتصاف بها، ومتى كانت الذات واجبة ووجب اتصافها بصفة، كانت تلك الصفة واجبة لتلك الذات ما دامت الذات، لأنَّ الذي يجب الاتصاف به لا يرتفع إلا بارتفاع الذات. (قوله: لو انتفى شيء منها الخ) هذا إشارة إلى قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة مذكورة، واستثنائية محذوفة لم يقم شيء مقامها استثنى فيها نقيض التالي، فينتج نقيض المقدم، ونظم القياس هكذا: لو انتفى شيء من هذه الصفات الأربعة لما وجد شيء من الحوادث، لكن التالي باطل بالمشاهدة، فبطل المقدم وهو انتفاء شيء من هذه الصفات الأربع، فثبت نقيضه وهو وجود كل واحدة منها، وهو المطلوب.
وقوله: لو انتفى شيء منها يعنى عن الذات، وانتفاء شيء منها عن الذات مقابل لوجوب اتصافه تعالى بها المتضمن للمطالب الثلاثة السابقة، فكأنه قال لو لم يجب الاتصاف بها أي بأن صح نفيها، إما لإمكانها أو لاستحالتها بأن تنتفي عن الذات أزلًا أو بأن يدعي خصوص تعلقها ببعض ما تصلح له، لأن هذا يستلزم الافتقار للمخصص المؤدي للحدوث. (قوله: لما وجد شيء من الحوادث) بيان الملازمة هو أن الفعل لا يصح بدون هذه الصفات، أما الحياة فلأنها شرطٌ عقلًا في الاتصاف بالصفات الثلاث فنفيها عن الذات يستلزم نفي الثلاثة عنها، وأما غيرها من بقية الصفات فلأن تأثير القدرة موقوف على إرادة ذلك الأثر، وإرادة الأثر موقوفة على العلم به، فلو انتفى العلم انتفت الإرادة، ولو انتفت الإرادة انتفت القدرة، ولو انتفت القدرة لانتفي سائر المخلوقات، وانتفاء الحوادث باطل بالضرورة، فملزومه وهو نفيها كذلك، فينتج أنها ثابتة للذات، وهذا حاصل ما ذكره الشارح، فإن قلت: لا نسلم الملازمة التي في الشرطية القائلة لو انتفى شيء منها لما وجد شيء من الحوادث لجواز انتفاء تلك الصفات ويكون التأثير في الحوادث بالعلة أو الطبيعة كما تقول الفلاسفة، فإنهم ينفون جميع الصفات الوجودية، ويقولون إن الذات مؤثرة في الحوادث بالعلة، قلت: ما ذكره المصنف من الملازمة مبني على ما سلكه من اتصاف صانع العالم بالصفات، وبطلان العلة والطبيعة، ولم يكترث بورود هذا السؤال لوضوح رده بما مر من إبطال كون صانع العالم علة أو طبيعة، كما أنه لم يكترث بما عسى أن يورده المعتزلة على الملازمة من المنع لأن مذهبهم نفي المعاني، فلهم أن يقولوا لا نسلم أنه يلزم من انتفاء شيء من هذا الصفات الأربع انتفاء الحوادث، لأن الحوادث مستندة للمعنوية، أي إن إيجادها بها ولا شيء من المعاني بموجود، وحاصل الجواب أن إثبات المعنوية دون المعاني كعالم بلا علم، وقادر بلا قدرة