ولا شك أنهم مبتدعة أشركوا مع الله تعالى غيره، فتحقق مذهب أهل السنة بين هذين المذهبين الفاسدين، فهو قد خرج من بين فرث ودم لبنًا خالصا سائغا للشاربين بين قوم أفرطوا وهم الجبرية، وبين قوم فرطوا وهم القدرية.
وكما أن هذه القدرة الحادثة لا أثر لها أصلا في فعل من الأفعال كذلك لا أثر للنار في شيء من الإحراق أو الطبخ أو التسخين أو غير ذلك لا بطبعها ولا بقوة وضعت فيها بل الله تعالى أجرى العادة اختيارًا منه جل وعز بإيجاد تلك الأمور عندها لا بها، وقس على هذا ما يوجد من القطع عند السكين، والألم عند الجوع والشبع عند الطعام، والري والنبات عند الماء والضوء عند الشمس والسراج ونحوهما، والظل عند الجدار والشجرة ونحوهما، وبرد الماء السخن عند صب الماء البارد فيه، وبالعكس ونحو ذلك مما لا ينحصر، فاقطع في ذلك كله بأنه مخلوق لله تعالى بلا واسطة البتة، وأنه لا تأثير فيه أصلًا لتلك الأشياء التي جرت العادة بوجودها معها، وبالجملة فلتعلم أن الكائنات كلها يستحيل منها الاختراع لأثر ما، بل جميعا مخلوق لمولانا جل وعز ومفتقر إليه أشد الافتقار ابتداء ودواما بلا واسطةٍ، فبهذا شهد البرهان العقلي ودل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح قبل ظهور البدع، ولا تصغ باذنيك لما ينقله بعض من أولع
[حاشية الدسوقي]
بل لا يجعلون خالقية العبد كخالقية الله تعالى لافتقارها للآلات التي هي بخلق الله تعالى. (قوله: ولا شك أنهم مبتدعة) أي لأنهم خالفوا إجماع السلف قبل ظهور البدع على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. (قوله: أشركوا مع الله غيره) أي أنهم في معنى المشركين الذين أشركوا مع الله غيره لإثباتهم شركة العبد لله في الفعل، وليس المراد أنهم مشركون حقيقة لما علمت أن الإشراك حقيقة إثبات الشريك في استحقاق العبودية أو في وجوب الوجود، والمعتزلة لا يقولون بشيء من ذلك، وقد بالغ علماء ما وراء النهر في ذمهم حيث قالوا: المجوس أسعد حالًا من المعتزلة لأنهم أثبتوا شريكًا واحدًا؛ والمعتزلة اثبتوا شركاء لا تحصى، والمصنف تابع لهم في المبالغة، وإلا فهم ليسوا مشركين حقيقة كما علمت. (قوله: فتحقق مذهب أهل السنة الخ) يقرأ بصيغة المبنى للمفعول، وبصيغة الأمر وهو أولى اهـ يس. وقوله مذهب أهل السنة أي الصحيح من مذهبهم، لأن لهم أقوالًا أخرى غير هذا؛ لكن لم تصح عند المصنف ولذا قال ولا تصغ بأذنيك الخ، وحاصله أن مذهب أهل السنة أن الفعل إن كان في وسع العبد وطافته بحسب الظاهر كان مقارنا لقدرته ومختارًا له، ومكلفا به، ولا تأثير لقدرته فيه، وإنما لها فيه مجرد المقارنة، وإن كان الفعل ليس في وسع العبد كان غير مقارن لقدرته ومجبورًا عليه؛ وليس مكلفا به. ومذهب الجبرية أن الأفعال كلها مجبور عليها وليس للعبد قدرة تقارن شيئًا منها، ومذهب المعتزلة أن الفعل إن كان ليس في وسع العبد فهو مجبور عليه وصادر بقدرة الله، وإن كان في وسعه فهو صادر بقدرته على حسب إرادته، والأول غير مكلف به دون الثاني؛ فإنه مكلف به.
إن قلت: الجبر لازم لأهل السنة حيث لم يجعلوا للعبد تأثيرًا في أفعاله الاختيارية مع كونه مكلفا بها. قلت: الجير المحظور هو الحسي، وهو التكليف بما ليس في وسعه، وأما الجبر العقلي وهو سلب الخالقية عن العبد فهو متوجه على جميع الفرق، ولا يضر لأنه محض الإيمان. (قوله: من بين فرث ودم) الفرث أخس من الدم، وكلاهما قبيح، والذي بمنزلة الدم مذهب المعتزلة لأنهم أضافوا الإيجاد لغير الله، والذي بمنزلة الفرث مذهب الجبرية لأنه أخف من كلام المعتزلة؛ لأنهم أضافوا جميع الأفعال لله هكذا قرر والصواب العكس، لأن من لزم مذهب الجبرية عدم التكليف، وانتفاء الشريعة وهو كفر، ومذهب المعتزلة مفسق فقط، كذا قرر شيخنا. (قوله: لبنا) حال من فاعل خرج. (قوله: قوم أفرطوا الخ) حاصله أن الجبرية لما تجاوزوا الحد حيث نفوا الكسب الثابت شرعًا، ونفوا الاختيار الثابت ضرورةً؛ نسب لهم الإفراط الذي هو مجاوزة الحد، والقدرية لما لم يعطو النظر حقه ولم يهتدوا للصواب من عموم تعلق قدرة الباري بالكائنات لإمكانها سواء كانت من كسب العبد أم لا صاروا في نظرهم عاجزين مفرطين فنسبهم إلى التفريط الذي هو التقصير. والحاصل أن الجبر هو الحق، فمدعيه ظافر، فمن زاد عليه حتى نفى الكسب نُسِبَ إلى الإفراط، والمعتزلة لم يظفروا بالمطلوب الذي هو الجبر بل وقفوا دونه وجعلوا العبد مخترعًا فلذا نسبهم إلى التفريط. (قوله: عند الطعام) أي عند أكل الطعام، ففيه حذف مضاف. (قوله: ولا تصغ بأذنيك الخ) أشار بهذا لثلاثة أقوال نقلت عن أهل السنة:
الأول: قول القاضي أبي بكر الباقلأني بتأثير قدرة العبد في حال الفعل لا في أصله ككون الحركة صلاة وغضبا ونكاحًا، أما ذات الحركة فبقدرة الله، ويقول: إن حال الفعل الذي تؤثر فيه قدرة العبد أعنى كونه صلاة مثلًا أمر ثبوتي كغيره من الأحوال.
القول الثاني: قول الأستاذ أبي اسحق الاسفرايني بتأثير قدرة العبد في حال الفعل لا في أصله كقول القاضي غير أن حال الفعل الذي تؤثر فيه قدرة العبد عنده من كونه صلاة أو غضبا وجه واعتبار للفعل لا حال كما يقول القاضي، لأن الأستاذ لا يقول بثبوت الأحوال بل بعدمها.
القول الثالث: