مختارًا، وعندما يخلق تعالى فيه الفعل مجردًا عن مقارنة تلك القدرة الحادثة مجبورًا ومضطرًا كالمرتعش مثلًا، وعلامة مقارنة القدرة الحادثة لما يوجد في محلها تَيَسُّرَهُ بحسب العادة فعلًا أو تركًا، وعلامة الجبر وعدم تلك القدرة عدم التيسر، وإدراك الفرق بين هاتين الحالتين ضروري لكل عاقل؛ كما أن الشرع جاء بإثبات الحالتين، وتفضل بإسقاط التكليف في الحالة الثانية وهي حالة الجبر دون الأولى، قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . أي إلا ما في طاقتها بحسب العادة، وأما بحسب العقل ونفس الأمر فليس في وسعها أي طاقتها اختراع شيء ما، وبهذا تعرف بطلان مذهب الجبرية الفائلين باستواء الأفعال كلها، وأنه لا قدرة تقارن شيئا منها عموما، ولا شك انهم في هذه المقالة مبتدعة بله يكذبهم الشرع والعقل، وبطلان مذهب القدرية مجوس هذه الأمة القائلين بتأثير تلك القدرة الحادثة في الأفعال على حسب إرادة العبد،
[حاشية الدسوقي]
أنها صفة نفسية لا تعقل الذات بدونها، لأنها عنده صفة معنى، والنفسية ليست كذلك. (قوله: مختارًا) أي لأن وجود الفعل مقارنا للقدرة يدل على أنه حصل منه اختيار للفعل قبل حصوله لما علمت أن اختيار العبد للفعل سبب عادي لخلق الله الفعل والقدرة متقارنين. (قوله: عندما يخلق تعالى فيه الفعل مجردا) عطف على قوله عند خلق الله فيه القدرة، وقوله مجبورا عطف على قوله مختارا، فهو من العطف على معمولي عاملٍ واحدٍ، وذلك جائز انتهي يس.
(قوله: لما يوجد في محلها) أي للفعل الذي يوجد في محلها، أي يقوم به قيام العرض بالجوهر. (قوله: تيسره) أي الفعل الذي يوجد في محلها، وقوله بحسب العادة متعلق بتيسره، وقوله فعلًا أو تركا معمول لتيسره أي تيسر الفعل من جهة تحصيله وعدم تحصيله بحسب العادة، أي بحسب الظاهر والمشاهدة، والمراد بتيسره بحسب العادة أن يكون في وسع الشخص وطاقته فعله أو تركه بحسب الظاهر.
واعلم أن حسب إن خلت عن الجار سكنت سينها، نحو حسبك الله، وإن دخل عليها الجار فتحت سينها نحو بحسب المعنى، ما لم يكن الجار زائدًا، وإلا سكنت نحو بحسبك درهم. (قوله: وعدم تلك القدرة) أي وعلامة عدم تلك القدرة من أصلها فضلا عن مقارنتها. (قوله: عدم التيسر) أي عدم تيسر الفعل بحسب العادة بأن كان ليس في وسع العبد وطاقته. (قوله: بين هاتين الحالتين) أي حالة الجبر وحالة المقارنة التي هي حالة الاختيار. (قوله: ضروري لكل عاقل) أي فأهل الجبر أنكروا الضروريات ولذلك كانوا بُلْهَا. (قوله: كما أن الشرع جاء الخ) إما أن يرجع لقوله وعلامة مقارنة، وإما إلى قوله وإدراك الفرق الخ وهو أقرب. (قوله: إلا وسعها) أي إلا بما في وسعها أي بالفعل الذي في وسعها وطاقتها.
(قوله: أي إلا ما في طاقتها) أي إلا بما في طاقتها. (قوله: بحسب العادة) أي بحسب الظاهر والمشاهدة. (قوله: وأما بحسب العقل) أي وأما بحسب ما يدركه العقل إذا نظر نظرًا صحيحًا. (قوله: ونفس الامر) قيل المراد به علم الله، وقيل اللوح المحفوظ، وقيل نفس الأمر معناه نفس الشيء بقطع النظر عن اعتبار المعتبر وفرض الفارض، فالأمر بمعنى الشيء، فقولك هذا الشيء موجود في نفس الأمر إظهارٌ في محل الإضمار، أي موجود في نفسه. (قوله: وبهذا) أي بما ذكرناه من أن الفعل إذا كان في وسع العبد كانت قدرته مقارنة له غير مؤثرة فيه، وكان مختارًا له وإن لم يكن في وسعه لم تكن قدرته مقارنة له. (قوله: مذهب الجبرية) بفتح الباء، والتسكين لحن، ويجوز التسكين والتحريك للازدواج كذا في السكتاني عن القاموس، وقرر شيخنا أن الجيرية نسبة للجبر فهو بسكون الباء، وقد تفتح لمشاكلة القدرية. (قوله: ولا شك أنهم في هذه المقالة مبتدعة) أي لمخالفتهم السنة المثبتة لوسع المكلف وطاقته، لأنهم قد نفوا محل التكليف الذي أثبتته السنة، وهو ما في وسع المكلف. (قوله: بله) أي مغفلون لا يفهمون الحجة، فاندفع ما يقال إن البله الحمق، والأحمق لا يحكم عليه بأنه مبتدع لعدم تكليفه، وحاصل الدفع أن البله يطلق في اللغة على معان منها الغفلة وعدم فهم الحجة؛ وهو المراد هنا، ومنها الحمق وهو غير مراد. (قوله: وبطلان مذهب القدرية) أي نفاة القدر، فهم منسوبون للقدر لقولهم بنفي كون الشر بتقدير الله ومشيئته، سموا بذلك لمبالغتهم في نفيه وكثرة مدافعتهم إياه، وقيل لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد؛ لأنهم يقولون العبد يخلق بقدرته الخير والشر، والمولى يخلق الخير فقط، وفيه أن مقتضى القياس أن يقال لهم حينئذ قُدرية بضم القاف مع أن الشائع فتحها؛ إلا أن يقال إن فتح القاف من تغيرات النسب.
(قوله: مجوس هذه الأمة) بهذا سماهم الشارع صلى الله عليه وسلم حيث قال القدرية مجوس هذه الأمة، ذكره في الجامع الصغير، ووجهه أنهم أثبتوا فاعلين فاعل الخير وفاعل الشر، كما أثبت المجوس إلهين النور إله الخير والظلمة إله الشر، وتسميتهم مجوسا على طريق التشبيه تنبيها على سوء مقالتهم، ولا يلزم أن يكونوا مشركين غير موحدين، لأن الإشراك هو إثبات الشريك في ألوهيته تعالى بمعنى وجوب الوجود كما للمجوس، أو استحقاق العبادة كما لعبدة الأصنام والأوثان، والقدرية لا يثبتون ذلك