وقدرتنا أيضا مثل ذلك عرض مخلوق لمولانا جل وعز، تقارن تلك الأفعال الاختيارية وتتعلق بها من غير تأثيرٍ لها في شيء من ذلك أصلًا، وإنما أجري الله تعالى العادة أن يخلق عند تلك القدرة لا بها ما شاء من الأفعال، وجعل الله سبحانه وجود تلك القدرة مقارنة للفعل شرطًا في وجوب التكليف، وهذا الاقتران والتعلق لهذه القدرة الحادثة بتلك الأفعال من غير تأثير لها أصلا هو المسمى في الاصطلاح وفي الشرع بالكسب والاكتساب، وبحسبه تضاف الأفعال إلى العباد، كقوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] ، وأما الاختراع والإيجاد فهو من خواص مولانا جل وعز لا يشاركه فيه شيء سواه تبارك وتعالى، ويسمى العبد عند خلق الله تعالى فيه هذه القدرة المقارنة للفعل
[حاشية الدسوقي]
والمراد بالغير الأحياء مطلقا كانوا عقلاء أو غيرهم، وقَيَّدَ الأفعال بالاختيارية لأنها هي التي وقع فيها خلاف أهل الضلال، كحركة البطش، وأما الحركة الاضطرارية كحركة المرتعش فلا خلاف أنها مخلوقة لله. (قوله: وقدرتنا أيضا مثل ذلك عرض) أي وصف وجودي. (قوله: تقارن تلك الأفعال) أي لا سابقة عليها، وإلا لزم وقوع الفعل بلا قدرة عليه لما تقرر من امتناع بقاء الأعراض؛ وهذا مذهب الأشعري وإمام الحرمين ومن تبعهما، واعترض بأنه لا نزاع في جواز تعدد الأمثال عقب الزوال، فلا يلزم وقوع الفعل بلا قدرة عليه. وأجيب بأنه إنما ندعي لزوم ذلك إذا كانت القدرة التي بها الفعل هي القدرة السابقة، فإن جعلت المثل المتجدد المقارن فقد لزم أنَّ القدرة التي بها الفعل لا تكون إلا مقارنه، ومذهب المعتزلة أنه لا يجب مقارنة القدرة للفعل بل توجد قبله، لأن التكليف حاصل قبل الفعل ضرورة أن الكافر مكلف بالإيمان، فلو لم تكن القدرة متحققة حينئذ لزم تكليف العاجز، وأجيب بأن صحة التكليف منوطة بالقدرة بمعنى سلامة الآلات والأسباب، والقدرة المسماة بالاستطاعة كما تطلق على العرض المقارن للفعل تطلق على القدرة بالمعنى المذكور وهو سلامة الآلات والأسباب. (قوله: وتتعلق بها) أي تعلق مقارنة فقط لا تعلق تأثيرٍ. (قوله: عند تلك القدرة) أي عند وجودها، وقوله ما شاء مفعول يخلق.
(قوله: وجعل الله سبحانه وجود تلك القدرة مقارنة للفعل شرطًا في التكليف) المراد بالوجود إمكانه لا الوقوع بالفعل، لأن القدرة مقارنة للفعل عند أهل السنة، والتكليف سابق عليها منوط بسلامة الآلات. (قوله: والتعلق) عطف تفسير (قوله: وفي الشرع) عطف تفسير أي المسمى باصطلاح أهل الشرع. (قوله: بالكسب) متعلق بالمسمى، ونائب فاعله ضمير عائد على الاقتراني، وتسمية الاقتران كسبًا مجازٌ بحسب الأصل، لأن الكسب بمعنى المكسوب، والاقتران ليس بمكسوب للعبد بل كسبه عبارة عن مقدوره أعني الحركات، سواء قلنا إنه اختراع أوْ لا، لكن باعتبار ذلك الاقتران والتعلق؛ أي إنه لأجلهما سميت الحركة كسبًا، فإطلاق الكسب على الاقتران من إطلاق اسم المسبب على السبب، وهذا بحسب الأصل، ثم صار إطلاقه على المقارنة حقيقة عرفية.
والحاصل أن الكسب يطلق على كل من المقدور وعلى اقتران القدرة بالمقدور، وقيل إن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب وإيجاد الله للفعل عقب ذلك خلقٌ، فالمقدور الواحد دخل تحت قدرتين لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور لله تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور للعبد بجهة الكسب، إذا علمت ذلك تعلم أن قول الشارح المسمى في الاصطلاح مراده اصطلاح الأشعري، ومن تبعه لا اصطلاح كل المتكلمين.
(قوله: وبحسبه) أي وبحسب الكسب تضاف الأفعال للعبد، أي كما أنها تضاف لله بحسب الخلق والاختراع، ولما أضيفت الأفعال للعبد من جهة الكسب أثيب وعوقب عليها نظرًا لما عنده من الاختيار الذي هو سبب عادي في إيجاد الله الفعل، والقدرة عليه، ثم إنَّ العبد مختار بحسب الظاهر، وإلا فمآله للجبر، لأن اختياره بخلق الله، فالعبد مختار ظاهرًا؛ مجبور باطنًا، فهو مجبور في صورة مختارٍ، خلافًا للمعتزلة القائلين إنه مختار ظاهرًا وباطنا، وللجبرية القائلين إنه مجبور ظاهرًا وباطنا. (قوله: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) عبر بلها في الحسنات لانتفاعها بها، وبعليها في السيآت لتضررها بها، وعبر في الأول بكسبت وفي الثاني باكتسبت لأن الشر لما كان مما تشتهيه النفس وتنجذب إليه وأمارة به كانت في تحصيله أعجل وأجدر، فلذا وصفت بما له دلالة على المبالغة والاعتمال وهو الاكتساب، ولما لم تكن في باب الخير كذلك لفتورها في تحصليه وصفت بما لا دلالة له على الاعتمال والتصرف وهو الكسب.
(قوله: وأما الاختراع والإيجاد) عطفُ الإيجاد على الاختراع عطفُ مرادفٍ، وأل في الإيجاد عوض عن المضاف إليه أي وأما يجاد الأفعال والذوات واختراعها. (قوله: فهو من خواص مولانا) أي ولذا قال الأشعري إن القدرة على الاختراع أخص أوصاف الباري أي أنها صفة خاصة به لا تكون لغيره، وليس مراده أنها خاصة للذات بمعنى