في ألوهيته لزم أن لا يوجد شيء من الحوادث، والتالي معلوم البطلان بالضرورة، وبيان لزوم ذلك أنه قد تقرر بالبرهان القاطع وجوب عموم قدرته تعالى وإرادته لجميع الممكنات، فلو كان ثم موجود له من القدرة على إيجاد ممكن ما مثل ما لمولانا جل وعز لزم عند تعلق تينك القدرتين بإيجاد ذلك الممكن أن لا يوجد بهما معًا لاستحالة أثر واحد بين مؤثرين لما يلزم عليه من رجوع الأثر الواحد أثرين، وذلك لا يعقل فإنه لابد من عجز أحد المؤثرين وذلك مستلزم لعجز الآخر المماثل له في القدرة على الإيجاد، وإذا لزم عجزهما معًا في هذا الممكن لزم عجزهما كذلك في سائر الممكنات لعدم الفرق بينهما، وذلك مستلزم لاستحالة وجود الحوادث كلها، والمشاهدة تقتضي بطلان ذلك ضرورة، وإذا استبان وجوب عجزهما معًا مع الاتفاق على ممكن واحدٍ كان مع الاختلاف فيه على سبيل التضاد أولى، فتعين وجوب وحدانية مولانا جل وعز في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وبهذا تعرف أن لا أثر لقدرتنا في شيء من أفعالنا الاختيارية كحركاتنا وسكناتنا وقيامنا وقعودنا ومشينا ونحوها، بل جميع ذلك مخلوق لمولانا جل وعز بلا واسطة،
[حاشية الدسوقي]
كما قد بَيَّنَّاه، وبهذا تعرف أن قول الشارح فلو كان ثم موجد الخ راعى فيه ظاهر المتن، وقوله بعد فتعين وجوب وحدانية مولانا في ذاته وصفاته وفي أفعاله نظرًا لما تضمنه الدليل بالتأمل، فتناسب أطراف الكلام وأنتج الدليل المرام. (قوله: في ألوهيته) أي في كونه إلها، ومراده ما يشمل الكم المتصل والمنفصل في الذات والصفات، بأن تقوم أوصاف الألوهية بجزء من أجزاء الذات يماثل الآخر أو بذات غير ذاته أو تعدد صفات الألوهية كقدرتين وإرادتين لا علمين إذ لا يتأتى التمانع فيهما، أو توجد صفة مثل صفاته في غيره كما يدل على ذلك قول الشارح في آخر الكلام فتعين وجوب وحدانية مولانا في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله.
(قوله: والتالي) أي وهو عدم وجود شيء من الحوادث. (قوله: معلوم البطلان بالضرورة) أي لوجود الحوادث بالمشاهدة. (قوله: على إيجاد الخ) أراد بالإيجاد الوجود لأن القدرة إنما تتعلق به لا بالإيجاد، لأنه عبارة عن تعلق القدرة بالوجود. (قوله: لزم عند تعلق تينك القدرتين الخ) هذا إشارة إلى برهان التوارد، وإيضاحه أنهما إذا قصدا إيجاد معين فوقوعه إن كان بقدرة كل منهما لزم كون الأثر الواحد أثرين، وإن كان بقدرة أحدهما لزم الترجيح بلا مرجح لأن المقتضي للقادرية ذات الإله، وللمقدورية ذات الممكن، فنسبة الممكنات للإلهين المفروضين على السوية من غير رجحان، ولزم العجز أيضًا. لا يقال: يجوز أن لا يقع مثل هذا المقدور للزوم المحال أو يقع بهما جميعا لا بكلٍ منهما للزوم المحال، لأنا نقول الأول باطل للزوم عجزهما لأن الفرض أنهما قصدا إلى إيجاده، فإن لم يوجد لزم عجزهما، وكذا الثاني لأن الفرض استقلال كل منهما بالقدرة والإرادة العامة.
(قوله: بين مؤثرين) أي مستقل كل منهما بالإيجاد. (قوله: لما يلزم عليه من رجوع الخ) أي ولما يلزم عليه من تحصيل الحاصل، والتعليلان ظاهران إذا كان الممكن الذي تعلقت به القدرتان بسيطا غير منقسم كالجوهر الفرد، وكذا إن كان مركبًا، وكل ما تعلقت به إحدى القدرتين عين ما تعلقت به الأخرى، وإن كان غيره لزم عجزهما. (قوله: وذلك لا يعقل) ألا ترى أن الخط الذي لا عرض له يستحيل أن يرسم بقلمين وتعلق القدرة تعلق استقلال لا معاونة، على أن المعاونة توجب العجز قطعا.
(قوله: كان مع الاختلاف فيه على سبيل التضاد أولى) أشار بهذا إلى برهان التمانع ويقال له برهان التطارد، وتقريره أنه لو أمكن التعدد لأمكن التمانع، كأن يريد أحدهما حركة زيد والآخر سكونه، ولو أمكن التمانع لزم أحد الأمرين الممتنعين لذاتهما أعني: اجتماع الضدين إن نفذ مرادهما، وعجز أحد الإلهين إن نفذ مراد أحدهما دون الآخر، وعجز أحدهما يؤدي لعجز الآخر، لأن ما ثبت لأحد المثلين يثبت للآخر، وعجزهما يؤدي لعدم وجود شيء من العالم، وهو باطل بالمشاهدة، فما أدى إليه وهو تعدد إلاله باطل، وهذا البرهان هو المشار إليه بقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، وهو دليل قطعي لا إقناعي خلافًا للسعد حيث قال: إنه اقناعي، وهو مبنى على أن المراد بالفساد اختلال نظامهما، وأما لو قلنا إن المراد بالفساد عدم الوجود كان الدليل قطعيًا. (قوله: وبهذا) الإشارة راجعة لوجوب وحدانية الأفعال، ويحتمل رجوعها للدليل السابق وهو دليل التمانع، وتقريره أن قدرة الله عامة التعلق بكل ممكن، فلو كان مقدور ما للعبد على وجه التأثير للزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، واللازم باطل فالملزوم مثله، وبيان اجتماع مؤثرين أن قدرته تعالى عامة التعلق فيدخل تحتها فعل العبد فيكون مقدورًا له تعالى، وواقعًا بقدرته، فوقوعه بقدرة العبد يلزم عليه اجتماع مؤثرين، بل ويلزم عليه العجز إن وقع ذلك المقدور الذي هو من متعلقات قدرة الله بقدرة العبد فقط، لأنه حيث كانت القدرة عامة ووقع شيء مما تتعلق به بغيرها كان ذلك عجزًا لها. (قوله: لا أثر لقدرتنا) النون للمتكلم معه غيره