فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 238

[حاشية الدسوقي]

واحدًا لزم أن لا يوجد شيء من الحوادث؛ لكن التالي باطل لوجود الحوادث بالمشاهدة فبطل المقدم، وثبت نقيضه، وهو كونه واحدا وهو المطلوب.

ثم إن الوحدانية تشتمل على ثلاثة أوجه: وحدانية الذات، ووحدانية الصفات، ووحدانية الأفعال، وكل من الوجهين الأولين ينقسم إلى قسمين: فوحدانية الذات تنفي التركيب في ذاته تعالى، وتنفي التعدد؛ بأن يكون ثَمَّ ذاتٌ أخرى قديمة لها من صفات الألوهية ما لذات مولانا، ووحدانية الصفات تنفي اتصاف الذات العلية بقدرتين وإرادتين إلى آخر الصفات السبع، وتنفي وجود صفة تشبه صفته في ذات غير ذاته حادثة. إذا علمت هذا فاعلم أن هذا الدليل الذي ذكره المصنف إنما يصلح بحسب ظاهره لإثبات الوحدة في الذات انفصالًا، بمعنى نفي أن يكون معه شريك مماثل له في ألوهيته، ولإثبات الوحدة في الأفعال، لكنه عند التأمل تجده صالحا لإثبات الأمور الخمسة الوحدة في الذات والصفات اتصالا وانفصالًا، والوحدة في الأفعال بأن يقال قوله لو لم يكن واحدًا أي بان كانت ذاته مركبة من أجزاء أو كان لها نظير أو كانت صفاته متعددة أو اتصفت ذات بمثل صفاتها أو كان ثَمَّ مُوجد سواها لزم أن لا يوجد شيء من العالم، فقد استدل المصنف على ثبوت هذه الوحدات الخمس بدليل واحدٍ، وإنما جمعهن بدليل ولم يفعل ذلك في القيام بالنفس؛ بل أفرد كل وجه بدليل، لكون كل وجه من أوجه الوحدانية يلزم على نفيه نفي الحوادث، فلما كان اللازم هنا واحدا اكتفى بدليل واحد لأنه يعمها، وأما القيام بالنفس فليس اللازم لنفي أحد الوجهين لازمًا لنفي الآخر، فلذلك عدد الدليل، وبيان إجراء الدليل فيما إذا تعددت الذات اتصالا أن تقول لو تركبت ذاته من أجزاء فإما أن تقوم صفات الألوهية وهي القدرة وما بعدها بكل جزء أو بالبعض أو بالمجموع، والكل باطلٌ.

أما الأول فلأن كل جزء يكون إلها فيأتي التمانع الآتي للشارح في تعدد إلالهين، وهو مؤد للعجز المستلزم لنفي الحوادث.

وأما الثاني وهو قيام أوصاف الألوهية ببعض الأجزاء فلأنه لا أولوية لبعض الأجزاء على بعض، وحينئذ فلا تقوم بها وذلك يستلزم عجز جميعها؛ وهو أن يؤدي لنفي الحوادث.

وأما الثالث وهو قيام أوصاف الألوهية بمجموع الأجزاء فلأنه يلزم عليه عجز كل جزء على انفراده، لأن كل جزء من مجموع الأجزاء قام به جزء من كل صفة من صفات الألوهية، ولا شك أن من قام به جزء من القدرة والإرادة يكون عاجزًا، ومفتقرًا للجزء الثاني من تلك الصفة القائمة بغيره من الأجزاء، وعجز كلٍ على انفراده يوجب عجز سائر الأجزاء، وذلك يؤدي لعدم الحوادث، وأيضا يلزم عليه انقسام ما لا ينقسم من الصفات وهو محال.

وأما إجراؤه فيما إذا تعددت الذات انفصالا بأن كان له نظير في ذاته فقد تصدى المصنف لبيان ذلك في الشارح كما تصدى لبيان إجرائه فيما إذا كان له شريكٌ من الحوادث في فعل من الأفعال، وأما إجراؤه فيما إذا تعددت الصفات انفصالا بأن يكون لحادث صفة تماثل صفته تعالى فلأنه إذا نفذت قدرة العبد في ممكن ما عجزت قدرة الرب عنه، وإذا عجزت عن هذا الممكن لزم عجزها عن سائر الممكنات إذ لا فرق، وذلك يؤدي إلى عدم الحوادث.

إن قلت: اللازم على تقدير تاثير قدرة العبد نفي ما لا تتعلق به لا نفي العالم كله كما جعله المصنف لازمًا، قلت: بل اللازم نفي العالم كله؛ وذلك لأنه إذا عجزت قدرة الرب عجزت قدرة العبد، لأن ما جاز على المثل جاز على مماثله.

وأما إجراؤه فيما إذا تعددت الصفات اتصالا فبيانه أن كل صفة من الصفات يجب لها عموم التعلق كما أشار إليه في الشارح بقوله:"وبيان ذلك أنه قد تقرر بالبرهان القاطع وجوب عموم قدرته وإرادته"وحينئذ فلو تعددت لزم العجز فلا يوجد شيء من الحوادث، فقد بان لك أن ما ذكره المصنف من الدليل وإن كان بحسب الظاهر مثبتا لوحدة الذات انفصالا ولوحدة الأفعال فقط إلا أنه عند التأمل مثبت للوحدات الخمس؛ وهي وحدة الذات اتصالا وانفصالًا؛ ووحدة الصفات؛ وكذلك وحدة الأفعال، وأن وجه جريانه في وحدة الذات انفصالا وفي وحدة الأفعال وفي وحدة الصفات اتصالا مأخوذ من الشارح وكذا وجه جريانه في وحدة الذات اتصالا والصفات انفصالا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت