فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 238

إذ هي شرط فيها، ووجوب المشروط بدون شرطه مستحيل، فإذًا وجود حادثٍ، أي حادثٍ كان موقوف على اتصاف محدثه بهذه الصفات الأربع، فلو انتفى شيء منها لما وجد شيء من الحوادث؛ للزوم عجزه حينئذ، وبهذا تبين وجوب وجود اتصافه تعالى بهذه الصفات في الازل، إذ لو كانت حادثة لزم توقف إحداثها على اتصافه تعالى بأمثالها قبلها ثم ينقل الكلام إلى أمثالها، ويلزم التسلسل وهو محال، فيكون وجود تلك الصفات على هذا التقدير محالًا، وذلك مؤدٍ إلى المحذور المذكور وهو أن لا يوجد شيء من الحوادث، وبهذا تعرف أيضا وجوب عموم التعلق للمتعلق منها كالعلم والقدرة والإرادة، إذ لو اختصت ببعض المتعلقات دون بعض لزم الافتقار إلى المخصص، فتكون حادثة ولا يمكن أن يكون المحدث لها غير الموصوف بها لما عرفت من وجوب الوحداينة له تعالى، وانفراده بالاختراع، وإحداثه تعالى لها فرع اتصافه بأمثالها قبلها، ثم ينقل الكلام إلى تلك الأمثال، ويجيء ما قد سبق، فقد بان لك بهذا أن البرهان الذي ذكرناه في أصل العقيدة يؤخذ منه ثلاثة أمور، وجودها وجود هذه الصفات ووجوب القدم والبقاء لها، ووجوب عموم التعلق للمتعلق منها، وقد أشار في أصل العقيدة إلى أن البرهان الذي ذكره

[حاشية الدسوقي]

واضح البطلان، لمخالفته للغة العرب، لأن الاسم إنما يشتق من صفة قائمة بالمسمى، لا من غير قائمة به، ولما كان القول بثبوت المعنوية دون المعاني واضح البطلان لم يكترث المصنف بهذا كالأول، هذا واعلم أن المصنف رتب هنا عدم وجود شيء من الحوادث على عدم وجود شيء من هذه الصفات الأربع، وإن كان في الكبرى إنما رتب عدم وجود شيء من الحوادث على عدم معنوية هذه الأربعة، هي الكون قادرا ومريد وعالما وحيا نظرا إلى أن المعاني ملازمة للمعنوية إثباتًا ونفيًا، وحينئذ فالبرهان المذكور كما ثبت به المعاني الأربعة ثبتت به معنويتها. (قوله: إذ هي) أي الحياة شرط فيها أي في تلك الصفات، وكون الحياة شرطا في هذه الصفات معلوم في الشاهد بالضرورة، فيلزم في الغائب أن يكون كذلك لأن الشاهد مسلم تعرف به الحقائق غالبا. (قوله: ووجود المشروط) أي وهو الصفات الثلاثة هنا. (قوله: بدون شرطه) أي العقلي وهو الحياة هنا. (قوله: موقوف على اتصاف الخ) أي ولا عبرة بما قاله المعتزلة والفلاسفة كما تقدم. (قوله: بهذا تبين الخ) الإشارة راجعة لمجموع الدليل، ويصح رجوعها للتالي، وفي الكلام حذفُ مضافٍ، أي وببطلان هذا التالي يتبين وجوب الخ، وإن شئت قلت وبالتالي من حيث بطلانه يتبين وجوب اتصافه تعالى بهذه الصفات في الأزل، وذلك لأنها لو انتفت عن الذات أزلًا، بل اتصفت بها فيما لا يزال لما وجد شيء من الحوادث، لكن عدم وجود شيء من الحوادث باطل فالملزوم مثله، بيان الملازمة أنها لو انتفت عن الذات أزلًا واتصفت بها فيما لا يزال كانت حادثة، ولو كانت حادثة كانت من جملة المحدثات، فيتوقف إحداثها على اتصافه بأمثالها قبلها، ثم ننقل الكلام إلى تلك الأمثال، فنقول إنها من جملة المحدثات، فيتوقف احداثها على اتصافه بأمثالها، وهكذا فيلزم الدور إن انحصر العدد، وإلا فالتسلسل، وكلاهما محال، فما أدى لذلك وهو كون تلك الصفات حادثة محال، فوجود الحوادث المتوفقة على ذلك المحال محالٌ، فيأتي المحذور وهو عدم وجود شيء من الحوادث.

(قوله: وعلى هذا التقدير) أي تقدير حدوثها، وقوله: تبين أي بواسطة التعليل الذي ذكره بعد. (قوله: وذلك مؤد) أي ويكون وجود الصفات على تقدير الحدوث محالًا مؤد الخ، لأنه إذا كان وجودها حادثة محالا فيكون وجود الحوادث المتوقف عليها محالًا، وهذا يؤدي إلى عدم وجود شيء من الحوادث. (قوله: وبهذا تعرف) أي وببطلان التالي وهو عدم وجود الحوادث على ما مر تعرف الخ. وحاصله أنه لو لم تكن تلك الصفات الثلاثة المذكورة عامة التعلق لَمَا وجد شيء من الحوادث، لكن عدم وجود شيء من الحوادث باطل، فالملزوم مثله، بيان الملازمة أنها لو لم تكن عامة التعلق لاحتاجت إلى مخصصٍ، فتكون حادثةً، فتحتاج إلى اتصاف الباري محدثها بمثلها، وهكذا، فيؤدي إلى التسلسل وهو محال، فما أدى إليه وهو عدم عموم التعلق محال، فيكون وجود الحوادث المتوقف على ذلك المحال محالًا، فيأتي المحذور، وهو عدم وجود شيء من الحوادث.

(قوله: ويجيء ما سبق) أي من التسلسل وأنه محال، وأن ما أدى إليه من عدم عموم التعلق محال، وأن ذلك المحال يؤدي إلى عدم وجود شيء من الحوادث. (قوله: فقد بان لك بهذا أن البرهان الخ) أراد بالبرهان جزأه، وهي الاستثنائية التي يعبرون عنها ببطلان اللازم، يعنى أن بطلان اللازم المذكور يستلزم الأمور الثلاثة لاستلزام نفي كل واحدة منها ذلك اللازم، ويحتمل أن يريد أن البرهان المذكور يستلزم تلك الأمور باعتبار لازم شرطيته، والمحوج لهذا التكليف المخالف لظاهر اللفظ كون نتيجة الدليل المشتمل عليها أو على نقيضها لا تكون إلا واحدة، فلا يصح أن يستنتج من الدليل أكثر من مطلوب واحدٍ، ويمكن أن يقال إن المطلوب وهو اتصاف الباري بتلك الصفات واحد، وتلك الأمور الثلاثة لدلالتها عليها أجزاء لذلك المطلوب، وذلك أن وجوب اتصافه تعالى بها يستلزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت