في عقائد الإيمان بلا دليل، وإلى وجوب المعرفة وعدم الاكتفاء بالتقليد ذهب جمهور أهل العلم كالشيخ أبي الحسن الاشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين وحكاه ابن القصار عن مالك أيضا، ثم اختلف الجمهور القائلون بوجوب المعرفة فقال بعضهم المقلد مؤمن إلا أنه عاص بترك المعرفة التي ينتجها النظر الصحيح، وقال بعضهم إنه مؤمن ولا يعصي إلا إذا كان فيه أهلية لفهم النظر الصحيح، وقال بعضهم المقلد ليس بمؤمن أصلا
[حاشية الدسوقي]
في عقائد الإيمان التقليد؛ أي وأما الفروع فيكفي فيها التقليد؛ بل يجب على من ليس أهلا للاجتهاد تقليد المجتهد فيها، والفرق بين العقائد والفروع أن العقائد مطابقة لما في نفس الأمر بخلاف الفروع فإنه لا يشترط فيها المطابقة لما في نفس لأمر؛ لأن الذي أفاده المجتهد المقلَّد بالفتح، إنما هو حكم ظني يحتمل أن يكون مطابقا لما في نفس الأمر ويحتمل أن يكون غير مطابق، فأولى من قلده فيه، ولا يلزم من كون المقلد في الفروع جازما أن يكون أرقى حالًا من المجتهد الذي قلده؛ لأن ذهن المقلد خال عن المزاحمة؛ فلذا جزم بالحكم الذي قلد فيه، وإن لم يكن مطابقا لما في نفس الأمر بخلاف المجتهد فإن ذهنه لازدحام الأدلة فيه لا يجزم بالحكم، بل يظنه.
إن قلت إذا كان الحكم الذي استفاده المجتهد يحتمل أن يكون صوابا ويحتمل أن يكون خطأ كيف يصح اتباعه فيه، والحال أن الخطأ لا يتبع، قلت محل كون الخطأ لا يتبع إذا قُطع بأنه خطأ، وما استفاده المجتهد لم يقطع بخطئه بل هو محتمل.
(قوله: في عقائد الإيمان) لا حاجة له مع قوله فيها. (قوله: بلا دليل) متعلق بالجزم أي الجزم المتلبس بعدم الدليل. (قوله: وإلى وجوب المعرفة الخ) أنت خبير بأن المعرفة ليست فعلا على الصحيح بل كيف، لأنها من قبيل المعارف والعلوم وحينئذ فلا يتعلق بها الإيجاب، نعم يتعلق بتحصيلها بمباشرة الأسباب ورفع الموانع.
(قوله: وعدم الاكتفاء بالتقليد) أي في الخروج من الإثم كان إثمَ كفرٍ أو عصيانٍ، والمراد الإثم ولو في الجملة أي في بعض الأحوال، وحينئذ فقوله وعدم الاكتفاء بالتقليد صادق بالأقوال الثلاثة الآتية، وبهذا التقدير اندفع ما يقال إن أريد عدم الاكتفاء بالتقليد في الخروج من إثم العصيان الحاصل للمقلد مطلقا ناسب القول الأول دون الثالث، وإن أريد عدم الاكتفاء بالتقليد في الخروج من إثم الكفر ناسب القول الثالث دون الأول، وإن أريد عدم الاكتفاء بالتقليد من الخروج من إثم الكفر واثم العصيان الحاصل للمقلد كان فيه أهلية للنظر أم لا ناسب القول الأول والثالث دون الثاني المفصل فتأمل.
(قوله: جمهور أهل العلم) ظاهره من المتكلمين ومن غيرهم كالفقهاء والمحدثين وهو كذلك، بدليل ذكره مالكا مع أنه ليس من المتكلمين لأن المراد بهم العلماء الذين اعتنوا بتقرير أدلة العقائد ودفع الشبه الواردة عليها، والشبه التي أوردها المبتدعة إنما صدرت منهم بعد الأئمة الأربعة كذا قيل، وقد يقال بل الظاهر أنه أراد جمهور أهل العلم من المتكلمين، وليس في كلامه ما يقتضي أن مالكا من المتكلمين، بل بعدما عزاه لهم عزاه لمالك أيضا تقوية لأنه إمام جليل.
(قوله: كالشيخ الأشعري) اسمه على وكنيته أبو الحسن، وهو مالكي المذهب كالباقالاني، وأما إمام الحرمين فهو شافعي. (قوله: المقلد مؤمن إلا أنه عاص) أي فتكون المعرفة واجبة وجوب الفروع كالصلاة، فمن لم يحصلها أثم، وظاهر هذا القول كان المقلد فيه أهلية للنظر أوْ لا فيلزم عليه التكليف بما لا يطاق؛ وهو غير جائز، ورد بأنا لا نسلم عدم جوازه بل هو جائز بل واقع في أصول الدين على أنه لا يلزم عليه التكليف بما لا يطاق، لأن صاحب هذا القول يرى أن الأهلية حاصلة لكل أحد لأن المطلوب الدليل الجملي الذي تحصل معه الطمأنينة بحيث لا يقول العارف له سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، والدليل الجملي متيسر لكل أحد وهذا القول مبنى على أن أصل الإيمان حديث النفس التابع للاعتقاد كما سبق؛ بهذا يندفع ما أورده ياسين هنا.
(قوله: التي ينتجها الخ) وصف كاشف (قوله: النظر الصحيح) هو ما كان صحيح المادة والصورة، محتويا على شروط الإنتاج.
(قوله: وقال بعضهم إنه مؤمن ولا يعصي الخ) وعلى هذا القول تكون المعرفة واجبة وجود الفروع على من فيه أهلية للنظر الصحيح، وهذا القول هو المعتمد. (قوله: المقلد ليس بمؤمن أصلا) أي بل هو كافر وليس المراد أنه منزلة بين منزلتين كما تقول المعتزلة في المؤمن العاصي إنه يخلد في عذاب غير عذاب الكفر؛ اذ لا قائل بذلك في المقلد كما قاله ابن عرفة، وناهيك بتحصيله بخلاف القول بكفره فإنه موجود فيحمل كلام الشارح عليه، وعلى هذا القول تكون المعرفة واجبة وجوب الأصول فمن لم يحصلها يكون كافرًا، وهذا