فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 238

وقد أنكره بعضهم، ولإمام الحرمين في الشامل تقسيم المكلفين إلى أربعة أقسام، فمن عاش بعد البلوغ زمنا يسعه للنظر فيه ونظر لم يختلف في صحة إيمانه، وإن لم ينظر لم يختلف في عدم صحة إيمانه، ومن عاش بعده زمنا لا يسعه النظر وشغل ذلك الزمان اليسير بما يقدر عليه فيه من بعض النظر لم يختلف في حصة إيمانه، وإن أعرض عن استعمال فكره فيما يسعه ذلك الزمان اليسير بما يقدر عليه فيه من النظر ففي صحة إيمانه قولان: الأصح عدم الصحة. قلت: ولعل هذا التقسيم إنما هو فيمن لا جزم عنده بعقائد الإيمان أصلًا

[حاشية الدسوقي]

القول مبني على أن النظر شرط في الإيمان، وأن الإيمان المعرفة أو حديث النفس التابع للمعرفة على ما سبق، ومهما انتفى الشرط انتفى المشروط.

(قوله: وقد أنكره بعضهم) أي قد أنكر القول بعدم إيمان المقلد بعضهم وهذا خلاف ما صححه في شرح الكبرى من كفره، وادعي الإجماع عليه، وقد علمت ما هو المعتمد من تلك الأقوال.

واعلم أن الخلاف في المقلد في كفره وعدم كفره إنما هو بالنسبة لنجاته وعدمها في الآخرة، لأنه في الدنيا لا قائل بأنه يعامل معالمة الكافر، بل يعامل معاملة المسلمين فيها اتفاقًا، قال الشاوي وهذا الخلاف الذي في المقلد بعكس الخلاف الذي في المعتزلة في أنهم كفار أو مؤمنون عصاة، فإنه بالنظر لحال الدنيا أي هل تجري عليهم أحكام الكفار في الدينا أم لا، وأما في الآخرة فلا خلاف أنهم بخلدون في النار وتأمله.

(قوله: ولإمام الحرمين الخ) لما كان كلام إمام الحرمين المذكور يتوهم مخالفته لما نقله المصنف عن الجمهور من الخلاف في إيمان المقلد أتى به ثم اعتذر عنه بما يزيل المخالفة حيث قال قلت الخ. (قوله: يسعه للنظر فيه) الضمير المستتر في يسعه للزمان والبارز لمن عاش، والجملة صفة لزمن والرابط الضمير المستتر، وفي بعض النسخ يسعه النظر من غير لام جر وهي مشكلة إلا أن يقرأ النظر بالنصب بنزع الخافض أي يسعه للنظر. (قوله: ونظر) أي وعرف.

(قوله: وإن لم ينظر لم يختلف في عدم صحة إيمانه) ظاهره ولو كان عنده اعتقاد لكونه مقلدًا وهذا صريح في أن المقلد كافر اتفاقا، فيخالف ما تقدم له من الجزم بالخلاف في كفره وعدم كفره، ثم إن ما ذكره من عدم صحة الإيمان في هذا القسم مقيد بما إذا كان تركه للنظر اختيار لم تحصل له المعرفة بإلهام من الله.

(قوله: ففي صحة إيمانه قولان) إنما لم يحكم بكفره قطعا للشبهة القائمة؛ فإنه قد يقال إنه لما لم يعش زمانا يسع النظر واخترمته المنية تبين عدم الوجوب عليه. (قوله: والأصح عدم الصحة) أي نظرا لتقصيره بالتأخير وإن تبين عدم اتساع الزمان لتحصيل الواجب، ونظير ذلك في الجملة المرأة في نهار رمضان تصبح مفطرة وهي طاهرة ثم تحيض في يومها ذلك فانها عاصية وإن ظهر أنه لم يمكنها إتمام الصوم. (قوله: ولعل هذا التقسيم إنما هو فيمن لا جزم عنده بعقائد الإيمان أصلا) أي الذي جرى فينه الخلاف فيمن عنده جزم، فقوله ولعل الخ جمع بين كلام إمام الحرمين وما قبله وإنما ترجى الشارح ولم يجزم بذلك لاحتمال كلام الشامل أن يُخص بمن لا جزم عنده كما قال الشارح، وأن يعمم فيه بحيث يشمله ويشمل المقلد الجازم، هذا وفي كلام الشارح شيء وذلك لأن من لا جزم عنده صادق بالظان والشاك في العقائد والمتوهم لها والمعتقد لضدها وخالي الذهن عنها لكونه نشأ بعيدًا عن أهل الإسلام بالمرة، وهذا وإن ظهر في القسم الثاني وهو من عاش بعد البلوغ زمنا طويلا يسعه فيه النظر وترك لا يظهر بالنسبة للقسم الأول، وهو من عاش بعد البلوغ زمنا طويلا يسعه فيه النظر ونظر لأن هذا عنده جزم فلا يصح أن يحمل على من لا جزم عنده الصادق بالخمسة المتقدمة، ولا يظهر أيضا بالنسبة للقسم الثالث وكذا الرابع بالنظر للقول فيه بالإيمان، وذلك لأنه من عاش بعد البلوغ زمنا لا يسعه فيه النظر وشغل ذلك الزمان ببعض النظر أو أعرض عن النظر فيه بالمرة ولم يحصل عنده جزم بالعقائد بل ظنها أو شك فيها أو توهمها أو جزم بضدها أو كان خالي الذهن عنها كيف يقال بصحة إيمانه بل هذا كافر قطعًا، وأجيب بأن المراد بقوله ولعل هذا التقسيم أي ولعل بعض هذا التقسيم وهو القسم الثاني والثالث والرابع فيمن لا جزم عنده بدليل، وأن الأول عنده جزم، ويراد بالإيمان في الثالث والرابع على أحد القولين لازمه وهو عدم المؤاخذة بالكفر فلا ينافي أنه كافر في الواقع ولا غرابة في عدم مؤاخذة من اعتقد الضد والشك ونحوه، لأنه لما ضاق الزمان عليه ولم يتسع للنظر غاية أمره أن يكون كأهل الفترة، وهذا الجواب الذي ذكره الشارح بعيد فالأحسن أن يحمل كلام إمام الحرمين على المقلد الجازم كما في الذي قبله ويكون ما ذكره إمام الحرمين من عدم الخلاف في كفر المقلد طريقة، والذي قبله من جريان الخلاف فيه طريقة أخرى فلأهل هذا الفن طريقتان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت