فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 238

وهو تعالى ذات موصوف بصفة وليس جل وعز بصفة كما تدعيه النصاري، ومن في معناهم من الباطنية أهلك الله تعالى جميعهم، وسيأتي برهان ذلك عند تعرضنا ان شاء الله للبراهين، وكذلك لا يفتقر تعالى إلى مخصص أي فاعل يخصصه بالوجود لا في ذاته ولا في صفة من صفاته لوجوب القدم والبقاء لذاته تعالى، ولجميع صفاته، وإنما يحتاج إلى المخصص أي الفاعل من يقبل العدم، ومولانا جل وعز لا يقبله، فإذًا يستحيل على مولانا جل وعز الافتقار عموما، وبهذا تعرف أن مرادنا بالمحل

[حاشية الدسوقي]

(قوله: وهو تعالى ذات) أي وحينئذ فلا يكون مفتقرا للمحل. (قوله: موصوف بصفة) ليس بضروري فيما نحن بصدده، وقوله موصوف نعت لذات، وَذَكَّرَ النعت لأن الذات تُذكر وتؤنث.

(قوله: كما تدعيه النصاري) ظاهره ان النصاري تدعي أنه تعالى صفة، مع أن المنقول في كتب أئمة الكلام أن النصاري يقولون إن الله تعالى جوهر مركب من ثلاثة أقانيم؛ أقنوم الوجود ويعبرون عنه بالأب، وأقنوم العلم ويعبرون عنه بالابن، وأقنوم الحياة ويعبرون عنه بروح القدس، ويعنون بالأقنوم الصفة، وبالجوهر القائم بنفسه، ويقولون إن أقنوم العلم الذي هو جزء الإله انتقل لجسد سيدنا عيسى عليه السلام، وامتزج به، فاتحد اللاهوت بالناسوت، وما أبلد هؤلاء حيث ادعوا أن العلم إله والوجود إله والحياة إله، ثم صار مجموع الأقانيم الثلاثة إلها واحدًا، فجمعوا بين نقيضين، وحدة وكثرة، وجعلوا الذات التي هي جوهر تتركب من مجموع الصفات التي هي أعراض، وجعلوا جزء الإله انتقل لسيدنا عيسى، وسموا الأقانيم بأسماء خالية عن المناسبة. انتهى.

وظهر من هذا التقرير أن الإله على كلامهم ليس بصفةٍ، نعم إن أراد بقوله كما تدعيه النصاري من أنه صفة باعتبار ما يلزم من كلامهم ظهر قوله كما تدعيه، كذا قرر شيخنا، وهو محصل ما في السكتاني، والأحسن أن يقال قوله كما تدعيه النصاري أي بعضهم، فإن بعضهم يقول الإله تعالى ليس بذات يقوم بنفسه بل صفة يقوم بالغير، وإن عيسى قام به الإله قيام الصفة بالموصوف، وبعضهم يقول إن الإله جوهر مركب من ثلاثة أقانيم إلى آخر ما تقدم، ويدل لذلك كلام الكبرى وحواشيها.

(قوله: من الباطنية) هم قوم كفار ينفون الشريعة، ويقولون إن ما ورد في القرآن من الأحكام التكليفية كوجوب الصلاة وحرمة الربا مثلا ليس المراد ظاهره، ويقولون إن الإله صفة قائمة بكل أحد من المخلوقات، فلذا تراهم يقولون ما في الجبة إلا الله.

(قوله: وسيأتي برهان ذلك) أي برهان عدم افتقاره لمحل أي ذات يقوم بها.

(قوله: وكذا لا يفتقر تعالى إلى مخصص) فيه إشارة إلى أن قول المتن"ولا مخصص"عطف على قوله"محل"و"لا"لتأكيد النفي ليفيد أن الافتقار لكل واحدٍ منهما منفي على حدته. (قوله: يخصصه بالوجود) أي بدلا عن العدم. (قوله: ولا في صفة من صفاته) هذا مأخوذ من المعنى المراد في نفس الأمر لا مما يقتضيه ظاهر العبارة، لأن الذي يقتضيه ظاهر العبارة عدم افتقار ذاته تعالى للمحل الذي يقوم به؛ وإلى المخصص أي الفاعل الذي يخصصها بالوجود بدلًا عن العدم. (قوله: لوجوب القدم والبقاء لذاته) يؤخذ من هذا أن عدم الافتقار للمخصص مستفاد من وجوب القدم له تعالى والبقاء، ولذا اقتصر بعضهم في تفسير القيام بالنفس على نفي الافتقار إلى المحل كما سبق.

(قوله: ولجميع صفاته) أي الذاتية والثبوتية وكذا السلبية على أحد القولين من ترادف القديم والأزلى، وأما صفات الأفعال فهي حادثة عند الأشعري كما سيأتي بيانه.

(قوله: فإذًا يستحيل الخ) أي فإذا كان تعالى لا يفتقر إلى محل ولا إلى مخصص يستحيل الخ، وذلك لاستغنائه وعدم افتقاره للمخصص. (قوله: عموما) إما حال من الاستحالة أي حالة كون الاستحالة عموما أي ذاتَ عمومٍ وشمولٍ لأى افتقار من الافتقارات، أو عامةً أي شاملة لذلك، وإما حال من الافتقار أي حالة كون الافتقار عموما أي عاما لأي شيء من الأشياء، أو ذا عموم وشمول لذلك.

(قوله: وبهذا) أي التقرير السابق المتضمن لتفسير المحل بالذات والمخصص بالفاعل. وقال السكتاني: الإشارة عائدة على ما تضمنه الكلام من حكمه باستحالة الافتقار عمومًا، أي فحكمنا بذلك واعترافنا به، يُعلم منه أن مرادنا بلفظ المحل والمخصص ما به يحصل التعميم، وذلك بأن يراد بالمحل الذات لا المكان، وبالمخصص الفاعل الذي يخصص أحد طرفي الممكن بالوقوع بدلًا عن مقابله، أما لو أريد بالمحل المكان وهو من خواص الأجرام فلا يؤخذ من لفظ العقيدة سلب الافتقار إلى الذات بأن لا يكون صفة، فإن قلت كما لا يلزم سلب كونه صفة إذا حمل المحل على المكان كذلك لا يلزم سلب الافتقار إلى المكان إذ حمل المحل على الذات، فمن أين يلزم تعميم الافتقار.

قلت: لا نسلم ذلك بل يؤخذ سلب الافتقار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت