فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 238

في أصل العقيدة الذات، ومرادنا بالمخصص الفاعل، فبعدم افتقاره تعالى إلى محل أي ذات أخرى لزم أنه جل وعز ذات لا صفة، وبعدم افتقاره تعالى إلى مخصص أي فاعل لزم أن ذاته جل وعز ليست كسائر الذوات التي لا تفتقر هي أيضا إلى محل كالأجرام مثلًا؛ لأن هذه وإن كانت مستغنية عن المحل أي عن ذات تقوم بها قيام الصفة بالموصوف فهي مفتقرة ابتداء ودوامًا افتقارًا ضروريا لازما إلى المخصص أي الفاعل وهو مولانا جل وعز، فإذًا القيام بالنفس هو عبارة عن الغنى المطلق، وذلك لا يمكن أن يكون إلا لمولانا جل وعز، قال جل من قائل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] ، وقال تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 2 - 4] . فأثبت تعالى بقوله الله الصمد افتقار كل ما سواه إليه جل وعز، إذ الصمد هو الذي يُصمد إليه في الحوائج أي يقصد فيها ومنه تسأل، ولا شك أن كل لما سواه تعالى صامد له أي مفتقر إليه ابتداء ودوامًا

[حاشية الدسوقي]

الى المكان من سلب الافتقار إلى المخصص؛ ذا لو كان في مكان لكان جِرمًا فيفتقر إلى مخصصٍ، كيف وربنا سبحانه غني عن المخصص، فإن قلت: لا نسلم أنه إذا حمل لفظ المحل على المكان يفوت سلب كونه صفة بل يؤخذ سلب كونه عرضا من سلب الافتقار إلى المخصص ومن وجوب مخالفته للحوادث؛ إذ هي صفات وموصوفات.

قلت: لا نسلم أخذ ذلك مطلقا ولو في الصفات القديمة، والمطلوب نفي كونه صفة يفتقر إلى ذاتٍ؛ سواء كانت الصفة حادثة أو قديمة، فصنيع الشارح رحمه الله أحسن اهـ.

(قوله: في أصل العقيدة) الإضافة للبيان. (قوله: الذات) أي لا المكان، وإنما لم يفسره بالمكان لاستفادة سلب الافتقار إليه من مخالفته للحوادث، وهذا على التفسير الأول في مرجع اسم الإشارة في قوله:"وبهذا"، وأما على ما قاله السكتاني فَعِلَّةُ عدمِ تفسيره بالمكان عدم أخذ سلب الافتقار للذات من العقيدة كما تقدم له.

(قوله: التي لا تفتقر هي) أي الذوات، وقوله أيضا أي كما لا تفتقر ذاته إلى محلٍ، والإتيان بـ"هي"و"أيضًا"لمزيد الايضاح.

(قوله: كالأجرام مثلا) مثال للمحل، وأراد بالأجرام ما يشمل الجواهر الفردة، وحينئذ فالكاف مدخلة لها، فالجمع بين"الكاف"و"مثلًا"غير ضروري.

(قوله: لأن هذه) أي الذوات، وهذه علة لقوله ليست كسائر الذوات. (قوله: ابتداء) أي في وجودها الأول. (قوله: ودواما) أي في بقائها بعد وجودها. (قوله: ضروريا) أي لازما فقوله لازما تفسير له. (قوله: وهو) أي الفاعل المخصص للأجرام جل وعز.

(قوله: فإذًا القيام الخ) أي فإذا كان معنى قيامه بنفسه ما سبق من عدم الافتقار لذات يقوم بها، وعدم الافتقار للمخصص كان القيام بالنفس عبارة عن الغنى المطلق أي العام أي الغنى عن كل شيء كالمحل والمخصص والولد والوالد والصاحبة والمعين والوزير وما يُحَصِّلُ الغرضَ ونحو ذلك، وذلك لاستلزام الغنى عن المحل والمخصص الغنى عما ذكر كما تقدم بيانه، وإنما فسرنا المطلق بالعام لئلا يقتضي أنه إذا كان غينًا عن المحل فقط مثلا كان قائما بنفسه، لأن المطلق هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيد، فيتحقق في فرد.

إن قلت حيث كان القيام بالنفس عبارة عن الاستغناء المطلق فلم لم يفسره المصنف بهذا في المتن، قلت لعله سلك طريق الاحتياط وجمع في المتن والشرح بين التفسيرين لوقوعهما في كلامهم، قاله الشيخ يس. (قوله: وذلك) أي الغنى المطلق. (قوله: قال جل من قائل) هذا دليل لكون الغنى المطلق لا يكون إلا لمولانا. (وقوله: من قائل) من فيه زائدة، وقائل حال من الضمير في جلَّ أي جل حالة كونه قائلًا.

(قوله: والله هو الغني) أي عن كل شيء إذ حذف المعمول يؤذن بالعموم، وظاهر قولنا عن كل شيء حتى عن صفاته وبذلك صرح الإمام الرازي في مواضع كثيرة من تفسيره، حيث قال لا يحتاج المولى في أفعاله وكماله إلى صفاته وإنما اقتضاها كمال الذات، قال الشيخ يس: ودعوى الاستغناء عن الصفات مشكلةٌ؛ كيف والاستغناء عنها تجويز لأضدادها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، وقد صرح بعضهم بما نصه: احتج الخصم على نفي الصفات بأنه يلزم من إثباتها افتقار الذات وهو مُحَالٌ، وأجيب بأن المحال هو افتقارها إلى خارج عنها. انتهي. لكن لا ينبغي أن يقال إنه سبحانه وتعالى مفتقر إلى صفاته لما في لفظ الافتقار من سوء الادب؛ وإن كان القول بصحة معناه لازمًا مما ذكر.

(قوله: إذ الصمد هو الذي يُصمد إليه في الحوائج) نقل عن الزمخشري أن"صمد"فعل بمعنى مفعول، وما ذكره الشارح في تفسيره أحدُ أقوالٍ ثلاثةٍ ثانيها أن الصمد هو الذي لا يأكل ولا يشرب، ثالثها أنه الذي لا جوف له، وإنما اقتصر الشارح على القول الأول لترجيع غير واحد له في تفسير الآية كابن عطية وغيره، وقوله وهو الذي يصمد إليه في الحوائج ضَمَّنَ يصمد معنى يفتقر فلذا عداه بإلى.

(قوله: ومنه تسئل) أي ومنه تسئل الحوائج للافتقار إليه، وضمير منه راجع للذي يصمد إليه في الحوائج.

(قوله: ولا شك أن كل ما سواه تعالى صامد له) قد يقال إنه فسر يصمد بيقصد، والقصد الحقيقي إنما يكون ممن له اختيار وحينئذ فلا يتم قوله ولا شك أن كل ما سواه صامد له، وأجاب الشارح بأن المراد لازم ذلك وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت