بلسان حاله أو بلسان مقاله أو بهما معا، وأثبت تعالى بقوله لم يلد ولم يولد وجوب استغنائه جل وعز عن المؤثر والأثر، فلا حاجة لله تعالى إلى المؤثر ولا علة لوجوده جل وعز، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ولم يولد أي لم يتولد وجوده تعالى عن شيء أي لا سبب لوجوده تعالى لوجوب قدمه وبقائه، وكذلك لا حاجة له تعالى إلى الأثر وهو ما أوجد تعالى من الحوادث ولا غرض له جل وعز في شيء منها تعالى عن الأغراض والاعراض، ولا معين له تعالى في شيء منها، بل هو جل وعز فاعل بمحض الاختيار بلا واسطة ولا معالجة
[حاشية الدسوقي]
الافتقار، فكأنه قال ولا شك أن كل ما سواه مفتقر له، ولا يخفى أن الصفات الذاتية لم تدخل في السوى لأنها ليست عينا ولا غيرا فلا يشكل قوله مفتقر إليه ابتداء ودوامًا إذ لا ابتداء لها لقدمها.
(قوله: بلسان حاله الخ) متعلق بمفتقر أي مفتقر بلسان حاله فقط أو بلسان مقاله فقط أو بهما معًا، وقضيته أن لسان المقال ينفرد عن لسان الحال كما ينفرد لسان الحال عن لسان المقال وليس كذلك، إذ لسان المقال لا ينفرد عن لسان الحال وإن انفرد لسان الحال عن لسان المقال لأن الافتقار لازم لكل مخلوق، وحينئذ فلا ينفك لسان المقال عن لسان الحال، وإن انفك لسان الحال عن لسان المقال، فإذا قال الشخص بلسان مقاله أنا مفتقر إلى الله كان افتقاره حاصلًا بلسان المقال وبلسان الحال أيضا للزوم الافتقار له، وإذا لم يحصل منه كلام كان افتقاره حصلًا بلسان الحال فقط، ويجاب بأن قوله بلسان الحال متعلق بمقدر تقديره مفهما افتقاره بلسان حاله فقط عند ذهول المتأمل عن لسان المقال أو عند عدمه، أو بلسان مقاله فقط عند ذهول المتأمل عن لسان الحال أو بهما معا عند ملاحظة المتأمل لهما.
والحاصل أن الفهم يحصل للتأمل بلسان الحال ذاهلًا عن المقال كما يحصل بالمقال مع الذهول عن الحال وقد يحصل بهما مع ملاحظتهما معًا.
(قوله: وجوب استغنائه عن المؤثر والأثر) أي فقوله (لم يلد) كناية عن استغنائه عن الأثر، وقوله (ولم يولد) كناية عن استغنائه عن المؤثر، ولا شك أنه إذا لم يفتقر لأثر ولا لمؤثر كان غنيا غنى مطلقًا، فصح قول الشارح وأثبت الخ؛ أي من حيث الكناية كما صح تفريعه بقوله فلا حاجة الخ.
(قوله: فلا حاجة لله تعالى إلى المؤثر) قدم الشارحُ الاستغناءَ عن المؤثر على الاستغناء عن الأثر مع أنه هو السابق في الآية لأن الاستغناء عن المؤثر يستلزم الاستغناء عن الأثر؛ وإنما قدم في الآية ما يفيد الاستغناء عن الأثر اهتماما به للرد على النصاري القائلين بان المسيح ابن الله، وعلى اليهود القائلين إن العزيز ابن الله، وأما كونه تعالى غير مولود فمتفق عليه عند جميع الملل.
(قوله: لوجوب قدمه) هذا محط الدليل، وأما قوله بقائه فزيادة فائدة.
(قوله: وكذلك لا حاجة له تعالى إلى الأثر) أي لاستغنائه عنه وهذا هو المراد بقول العارف بالله ابن عطاء الله الكندري في الحكم: (أنت الغنى لذاتك عن أن ينالك نفع منها) أي إن الله مستغن لذاته عن الآثار الصادرة عنه تعالى فلا يناله نفع منها. (قوله: ولا غرض له) عطف على قوله لا حاجة له إلى الأثر من عطف اللازم على الملزوم، والغرض هو الأمر الباعث للفاعل على الفعل.
(وقوله: في شيء) أي في إيجاد شيء منها (قوله: تعالى عن الأغراض والأعراض) جملة اعتراضية بين المتعاطفين، أعنى قوله ولا غرض له ولا معين للتنزيه، والمناسب كون الأول بالغين المعجمة ليتصل بما قبله، وعطفُ الأعراضِ عليه من عطف العام على الخاص؛ لأن الغرض الباعث على الشيء تاره يكون عرضا وتارة يكون غير عرض، والفائدة فيه مع المبالغة أتم، ويحتمل العكس، ووجه العطف قصد المبالغة في نفي الأعراض عمومًا وخصوصًا.
(قوله: ولا معين له تعالى) عطف على قوله لا حاجة له إلى الأثر، وهو أي المعين أخص من الحاجة وفيه رد على قول الأستاذ أبي اسحق إن أفعال العبد واقعة بمجموع القدرتين قدرة الرب وقدرة العبد على أن تعلقهما بأصل الفعل. (قوله: في شيء منها) أي من الحوادث التي أوجدها. (قوله: بل هو جل وعز فاعل بمحض الاختيار) أي بالاختيار المحض أي الخالص من مخالطة شيء يصحبه، فـ"بل"للانتقال من غرض إلى غرض آخر، وفيه إشارة لرد مذهب الحكماء القائلين بالإيجاب الذاتي وهو إسناد الكائنات إلى الله تعالى على سبيل التعليل؛ فهو مجبور عندهم لا مختار.
(قوله: بلا واسطة) هو وما بعده كالتفسير لمحض الاختيار، وقوله بلا واسطة كالقّدُّوم بالنسبة للنجار، والإبرة بالنسبة للخياط، فكل منهما وإن كان فاعلًا بالاختيار لكن اختياره ليس محضا أي خالصا عن مخالطة شيء يصحبه لتوقف فعله على الآلة المذكورة، بخلاف فعل المولى سبحانه فإنه بمحض الاختيار إذْ لا يتوقف على واسطة وآلة. (قوله: ولا معالجة) أي حركات كما يقع في أفعال الحوادث كالنجار