ثم يطلب البرهان على وجوب قدمها وبقائها، وشذ قوم فقالوا إن القدم والبقاء صفتان موجودتان تقومان بالذات كالعلم والقدرة، ولا يخفى ضفعه؛ لأنه يلزم عليه أن يكونا قديمين أيضا بقدم أخر موجود، وباقيين أيضا ببقاء أخر موجود، ثم ينتقل الكلام إلى هذا القدم الآخر، وهذا البقاء الآخر، فيلزم فيهما ما لزم في الاولين ويلزم التسلسل، وأضعف من هذا القول قول من فرق وقال القدم سلبي والبقاء وجودي، والحق الذي عليه المحققون أنهما صفتان سلبيتان أي كل منهما عبارة عن سلب معنى لا يليق به تعالى، وليس لهما معنى موجود في الخارج عن الذهن
[حاشية الدسوقي]
والبقاء أي يوجدان فيجوز أن تتعقل الذات الكريمة ذهنًا ولا يخطر بالبال إذ ذاك القدم والبقاء ذهنًا، ويجوز أن تتعقل الذات الكريمة في الخارج ولا يتعقل إذ ذلك أنهما في الخارج معها؛ وإن كانت الذات الكريمة متصفة بهما في الخارج. (قوله: ثم يطلب البرهان على وجوب قدمها وبقائها) أي على قدمها وبقائها الواجبين أي وحينئذ فقد تعلقت الذات موجودة في الخارج بدون صفتها وهي القدم والبقاء. (قوله: وشذ) الشاذ قيل ما ضعف دليله، وقيل ماقل قائله، وهذا القول ضعيف الحجة قليل القائل فهو شاذ على كل حال. (قوله: صفتان موجودتان) أي في الخارج بحيث يمكن رؤيتهما لو أزيل الحجاب عنا، فهما من صفات المعاني على هذا القول. (قوله: ولا يخفى ضعفه) أي بطلانه لأنه هو الذي يتجه دليله المذكور. (قوله: لأنه يلزم عليه أن يكونا قديمين) أي لاستحالة اتصافه تعالى بالحوادث الوجودية وقيامها به؛ ولأنه لا يعقل موجود في الأزل عاريًا عن القدم. (قوله: أيضا) أي كالعلم والقدرة (قوله: بقدم آخر موجود الخ) وذلك لأن الصفة الوجودية تحتاج للقدم والبقاء وهما صفتان وجوديتان فيحتاجان لقدم وبقاء آخر وهكذا.
(قوله: ويلزم التسلسل) أي أو الدور فيلزم التسلسل إن استمرت سلسلة القدم والبقاء كما بينه الشارح، ويلزم الدور إن كان القدم والبقاء الأخيران قديمين بالقدم الأول وباقيين بالبقاء الأول، وكلٌ من التسلسل والدور محال، فيكون ما أدى اليهما كذلك، فإن قيل لا نسلم أنه يلزم على هذا القول أن يكون القدم والبقاء قديمين بقدم آخر وباقيين ببقاء آخر حتى يلزم التسلسل أو الدور لجواز أن يكونا قديمين بلا قدم، وباقيين بلا بقاء، أو يكونا قديمين لأنفسهما بان يكونا قديمين بذلك القدم الذي صارت به الذات قديمة وباقيين لأنفسهما بان يكونا باقيين بذلك البقاء الذي صارت به الذات باقية، فتكون الذات قديمة وباقية بهما، وهما قديمان وباقيان.
قلت: لو كانا قديمين بلا قدم وباقيين بلا بقاء لزم عليه وجود المعلول وهو كون القدم والبقاء قديمين باقيين بدون علته وهو قيام القدم والبقاء بهما، ولو كانا قديمين بقدم الذات وباقيين ببقائها لزم عليه اتحاد الموجِب بالكسر وهو كل من القدم والبقاء وتعدد الموجَب بالفتح؛ وهو كون الذات قديمة وباقية، وكون قدمها وبقائها قديمين بقدمها، وباقيين ببقائها فيكون القدم أثر في الذات وفي نفسه، والبقاء أثر في الذات وفي نفسه، وكل من وجود المعلول بدون علته ومن اتحاد الموجب بالكسر وتعدد الموجب بالفتح باطل، فكذا ما أدى إليه، وكذا يلزم على هذا القول قيام المعنى بالمعنى وهو باطل، لأن المعنى إنما يقوم بالذات، ولأن قيام المعنى بالمعنى يلزم عليه الترجيح بدون مرجح، إذ لا مرجح لكون أحد المعنيين قائما بالآخر والآخر مقوما به فتدبر.
(قوله: وأضعف من هذا القول قول من فرق) هو بتخفيف الراء، ووجه الأضعفية أن كلًا من القدم والبقاء يرجع إلى دوام الوجود إما في الماضي وإما في المستقبل، وإذا كان كذلك لزم تساويهما فيزيد هذا القول بنفي المساواة بينهما بلا فارق ضعفًا إلى ضعفٍ، فيكون قوله أضعف أي فقد شارك هذا القول الذي قبله في أصل الضعف حيث جعل البقاء صفة وجودية وزاد عليه بالتفرقة بين القدم والبقاء حيث جعل الأول سلبيا والثاني وجوديا بدون فارق، إذ العلة في جعله القدم سلبيا وهي أنه لو كان وجوديا لزم عليه قيام المعنى بالمعنى موجودة في البقاء.
والحاصل أن هذا القول مردود من جهتين:
الجهة الأولى: أنَّ جعل البقاء صفة وجودية يلزم عيله الدور أو التسلسل.
الجهة الثانية: أن العلة في جعل القدم سلبيا موجودة في البقاء، فالتفرقة بينهما بجعل أحدهما وجوديا والآخر سلبيا تحكم، وبهذا سقط ما يتبادر من أن القول الذي قبله أضعف، لأن المخالفة فيه لما هو الحق عند المصنف كائنة في القدم والبقاء، والمخالفة في هذا القول في البقاء دون القدم، وقد تحصل من كلام الشارح أن جملة الأقوال في القدم والبقاء أربعة:
قيل انهما صفتان سلبيتان، وقيل نفسيتان، وقيل وجوديتان، وقيل القدم سلبي والبقاء وجودي، وأصحها أولها.
(قوله: عبارة) فيه ما سبق. (قوله: وليس لهما الخ) قضيته أن المراد بالقدم والبقاء